Monday, March 24, 2014

المُقدَّس


يتميز عقل الإنسان عن غيره من الكائنات بقدرته الخيالية الخارقة، فعقل الإنسان قادر على رؤية غير الموجود، وسماع غير المنطوق، واستحضار ما لم يتم، وتوقع ما لن يكون، هو ببساطة قادر على إضافة تخيلاته وأوهامه وأمنياته ورغباته ومخاوفه إلى الحقائق الملموسة الموجودة أمامه، بل إنه أحياناً يعطي لغير الموجود وزناً يفوق وزن ما هو موجود.

قد لا يكون الهدف من الفقرة السابقة واضحاً، ولا يمكنني في هذا المقال شرح كل ما قصدته فيها، لكن ما يعنيني هنا هو التوضيح بأن لعقل الإنسان قدرة على خلق ما نطلق عليه اسم الـ"مُقدَّس"، وهذا المقدس يمكن أن يكون "حقيقياً" أو خيالياً، موجوداً أو غير موجوداً، بل إن وجوده قد يكون سابقاً أو لاحقاً أو حاضراً، وهو بذاته قد يكون ملموسا أو محسوساً أو مشعوراً، حيواناً أو إنساناً، جماداً أو نباتاً أو كائناً اسطورياً، وقد برع العقل البشري في اختلاق الآلاف من هذه "المقدسات" منذ دخوله حيِّز الوعي التوثيقي إلى يومنا هذا. 

وقد لا نشرح هنا "آلية" خلق "المقدس" وترسيخ وتأكيد قدسيته، لكن أود أن ألفت انتباه القارئ إلى أن الإنسان في كل عصر وزمان دافع بشراسة عن مقدساته، وكان في بعض الأحيان يقاتل ويقتل الآخرين من أجلها، بل أن التاريخ الإنساني شهد في بعض لحظاته حروبا عنيفة بين هذه "المقدسات" راح ضحيتها الآلاف من البشر من المؤمنين بهذا المقدس أو ذاك، وفي العصور الوثنية كانت العلاقة تبادلية بين "المقدس" والمؤمنين به، فإذا كان المقدس قوياً سيمكن المؤمنين به من النصر على أتباع المقدس الآخر، وإذا كان الشعب قوياً فسيتمكن من جعل "مقدسه" ينتصر على مقدس الشعوب الآخرى. 

هذه المقدسات، يتعامل معها المؤمنين بها بمزيج من الخوف والخشوع والحب والهيام والتبرك، رغم أن بعض هذه المقدسات لم تنظر إلى نفسها بهذه الطريقة، ولم تطلب من أحد أن يتعامل معها بهذا "التقديس" المفروض عليها جبراً!! خاصة إذا نظرنا إلى المقدسين من البشر، فسنجد بأن أغلبهم عاش مسجوناً، ومات مقتولاً، وكان من أصحاب الحظ العاثر في الحياة تحت حكم من يعاديه، وبين من يقتاتون على الوشاية به، فأي مفارقة هذه التي تجعلك تعيش جائعاً مطارداً مهاناً، فتموت ويأتي من يجعل "الصورة" التي وصلته عنك مقدسة إلى الحد الذي لا يقبل به انتقادك ويتوسل في شفاعتك!!

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل هذه المقدسات تستمد قدسيتها من نفسها، أي من الذات أو الداخل؟ أم أن قدسيتها تأتي من الخارج؟ وإذا كانت قدسيتها تأتي من الخارج، فمن يعطي الحق لهذا الطرف أو ذاك في إضفاء "القدسية" على هذا الشيء أو ذاك الشخص أو هذا الوهم!!؟

ما الذي يجعل التعدي على مكانة هذا "المقدس" حراماَ هنا، ويجعل التعدي على الـ"مقدس" الآخر محموداً هناك، هل هو الموقع الجغرافي لهذا المقدس أو ذاك!؟ أم هي كثرة عدد "المؤمنين" والأتباع؟ طيب وماذا لو انحسرت هذه الأعداد، أو تم نقل المقدس إلى أرض غريبة، فهل سيفقد "المقدس" قداسته!؟

أين قدسية "أبولو" اليوم؟ وكيف أصبحت عبادة "البعل" كفراً بعد أن كان سيد الآلهة؟ وهل للبقرة أي قدسية في مطاعم الـ ستيك الأمريكية!؟ وهل لتراب كربلاء أي قداسة في أدغال أفريقيا!؟ وهل للصلبان أي قيمة مقدسة في قرى الصحراء العربية!؟ كيف لا يرى أصحاب المقدسات انعدام قيمة مقدساتهم عند الآخرين ويسألون أنفسهم عن مصدر القدسية في مقدساتهم!؟ بل كيف يتفنن هؤلاء في التعدي على مقدسات الآخرين رغم علمهم المسبق بقدرة الآخرين على فعل الشيء نفسه بمقدساتهم!؟


كيف لا يلاحظ الناس اليوم، في 2014 م، أننا لا زلنا نخلق الهالات "المقدسة" حول بعض الشخصيات التي لم تطلب هي القداسة!؟ بل أننا قد نُورِّث "قدسية" هذه الشخصيات إلى أبناءنا، وبالتالي يمكننا أن نتساءل عن المقدسات التي ورثناها نحن عن أباءنا وأجدادنا، هل هي مقدسة لـ خير فيها أو بركة جلبتها، أم أن الأمر لا يتعدى الإضفاء من الخارج!؟ 

Wednesday, February 12, 2014

الاتفاقية الأمنية

طلب مني بعض الأصدقاء التعليق على موضوع "الاتفاقية الأمنية" بين دول مجلس التعاون الخليجي، وبعد قراءة نص الاتفاقية المنشور في جريدة القبس تاريخ 11-2-2014 قمت بتدوين الملاحظات التالية:


المقدمة:
الهدف المعلن للاتفاقية هو التعاون في مكافحة الجريمة ورفع كفاءة الأجهزة الأمنية في الدول الأطراف.

المادة الأولى:
يكون التعاون في هذه الاتفاقية وفقاً للتشريعات الوطنية – أو المحلية – لكل دولة.

المادة الثانية:
يكون التعاون في ملاحقة الخارجين عن القانون دون التفرقة بين جنسياتهم، أي أن تطبيق التعاون سيشمل المواطن والخليجي والعربي والأجنبي.

المادة الثالثة:
صياغة هذه المادة غريبة وغير واضحة، لكن المفهوم بأن لكل دولة الحق في إطلاق صفة "الجريمة" على الفعل المرتكب وفقاً لقوانينها المحلية، ولست متأكداً من جزئية حق دولة في المطالبة بمواطن تابع لدولة أخرى في حال ارتكابه لفعل لا يعتبر "جريمة" في دولته الأم، ولكنه يعتبر "جريمة" في دولة أخرى.

مثال، لنفترض بأن القانون الإماراتي لا يعتبر التشبه بالجنس الآخر "جريمة"، لكن القانون الكويتي يجرم هذا السلوك، فهل من حق الكويت مطالبة الإمارات بتسليم مواطن إماراتي تشبه بالجنس الآخر في الإمارات؟ أو حتى مواطن كويتي تشبه بالجنس الآخر أثناء تواجده في الإمارات؟ المسألة غير واضحة بالنسبة لي.

المادة الرابعة:
سيكون من حق كل دولة طلب المعلومات الأمنية المتعلقة بمواطنيها أو المقيمين بها من الأجهزة الأمنية الأخرى، وهنا لا تتحدث المادة عن طلب معلومات تتعلق بمواطني الدولة نفسها من الأجهزة الأمنية الأخرى.

أي أن المادة تعطي الحق للأجهزة الأمنية البحرينية بطلب معلومات حول مواطني مملكة البحرين والمقيمين فيها من جهاز الأمن الكويتي، لكنها لا توضح إمكانية طلب الأجهزة الأمنية البحرينية لمعلومات تتعلق بمواطن كويتي من الجهاز الأمني الكويتي.

المادة العاشرة:
تعطي هذه المادة الحق للدولة بأن تطلب الدعم الأمني (الفعلي والميداني) من الدول الأخرى لمواجهة الاضطرابات الأمنية.

وهنا علينا الانتباه إلى الحالات التي ينطبق عليها وصف "اضطراب أمني"، وهل يمكن اعتبار المظاهرات أو الاعتصامات الكبرى (كرامة وطن في الكويت واعتصام دوار اللؤلؤة في البحرين) كحالة "اضطراب أمني" يجوز للدولة طلب الاسناد الخارجي فيها؟

المادة الرابعة عشر:
تعطي هذه المادة الحق للأجهزة الأمنية في الدول الأطراف بملاحقة المطاردين لديها داخل الحدود البحرية للدول الأخرى، ويكون ذلك ضمن إطار التنسيق المشترك.

المادة السادسة عشر:
تعطي هذه المادة الحق للدول الأطراف، بمطالبة بعضها البعض، بتسليم الـ"أشخاص" المتهمين لديها والموجودين في الدول الأخرى، ولم تفرق هذه المادة بين جنسية هؤلاء الأشخاص.

أي أن من حق السلطات في المملكة العربية السعودية مطالبة الكويت بتسليم مواطن كويتي وُجهت إلى "تهمة" في السعودية، ولكن المادة أيضاً تضع خط رجعة بأن هذه العملية تتم وفق القوانين المحلية في كل دولة.

الخاتمة:
يجوز لأي دولة طرف في هذه المعاهدة الانسحاب منها متى ما شاءت ذلك.

وباستعراض المواد أعلاه، أرى بأن الهدف الحقيقي من هذه الاتفاقية هو "ترهيب" العناصر المشاغبة في دول الخليج من إمكانية دفعهم لمواجهة أجهزة أمنية خارجية سواء بدعوة هذه الأجهزة لدخول البلد، أو بإرسال المواطن المشاغب إلى الخارج للتحقيق معه بقسوة لم يعتد عليها محلياً.

وأعتقد شخصياً، بأن الاحتمالات الواقعية لتفعيل هذه الاتفاقية سيكون ضد المعارضة البحرينية (وهذا ما حصل بالفعل من خلال دخول قوات درع الجزيرة للبحرين)، ويمكن استخدامها أيضاً مع المعارضة الكويتية في حال تكرار أجواء مسيرات "كرامة وطن"[1]، أو استخدامها ضد كوادر الإخوان المسلمين في حال انسياق السلطات في الكويت مع التوجه الإقليمي في تحجيم الإخوان وقصقصة أجنحتهم، وخصوصاً في حال توجيه الأجهزة الأمنية الإماراتية تهم "جدية" لعناصر الإخوان المسلمين في الكويت.

أما بالنسبة لمواجهة الشيعة في المملكة العربية السعودية، فمن المستبعد أن تلجأ الأجهزة الأمنية السعودية إلى طلب الدعم لمواجهتهم لقدرتها الذاتية على ذلك، أيضاً سيكون لهذه الاتفاقية دور حاسم في السيطرة على مواطني دول الخليج المتورطين في القتال في سوريا حال قرارهم العودة إلى بلدانهم، وهذا التوجه كان واضحاً من خلال قرار الملك عبدالله بن عبدالعزيز بسجن كل سعودي يقاتل خارج المملكة.


من الناحية السياسية، أعتقد أن الحكومة الكويتية ستتردد كثيراً في التوقيع على هذه الاتفاقية، ويمكنها التملص من التوقيع عليها بعذر عدم موافقة نواب مجلس الأمة عليها، وسيكون ذلك سهلاً على الحكومة والمجلس الحالي لكسب بعض الشعبية، وتفويت الفرصة على نواب الشيخ ناصر المحمد في إيجاد سبب جديد لمهاجمة الحكومة واستجواب رئيسها.

وفي هذه الحالة، يمكن لبقية دول الخليج التملص هي الأخرى من التوقيع على الاتفاقية بعذر أن الكويت لم توقع، وبذلك تصبح مملكة البحرين الدولة الوحيدة التي ستوقع هذه الاتفاقية مع المملكة العربية السعودية.

أما في حالة توقيع الكويت عليها، أو توقيع بقية دول الخليج عليها، فمن المتوقع أن يكون التعاون بينها بالحد الأدنى ويخضع دائماً لمزاجية الأجهزة الأمنية المحلية في التعاون مع طلبات الأجهزة الأمنية الشقيقة، وستستخدم الاتفاقية فقط كأداة "ترهيب" للعناصر المشاغبة في كل دولة.

حكمت بذلك من خلال معرفتي السابقة بفشل الأجهزة الأمنية في التنسيق فيما بينها في الدولة الواحدة، فما بالك والتنسيق سيكون مع جهاز أمني خارجي، أيضاً للأنظمة الخليجية تاريخ حافل في عدم الالتزام بالاتفاقيات التعاونية.


وربما لم يكن هناك أي مبرر لعودة ظهور هذه الاتفاقية ونقاشها في الكويت (بعد أن رفضتها سابقاً) لولا طرح رموز المعارضة لفكرة "الكونفيدرالية الخليجية" التي كان يسوِّقها الدكتور عبدالله النفيسي، بل أن هؤلاء (المغفلين) أيدوا جميع بنود هذه الاتفاقية بشكل غير مباشر من خلال مطالبتهم السابقة بإرسال القوات الكويتية للتدخل في البحرين ضمن قوات درع الجزيرة.


والغريب في الأمر، أن دجل هؤلاء جعلهم لا يخجلون من الخروج علينا للتنظير حول خطورة هذه الاتفاقية!! بل أنهم يخططون لإعادة إحياء حراكهم الميت من بوابة العودة لمعارضة الاتفاقية الأمنية!! فأين كانت "سيادة" الشعب البحريني عن الحربش عندما عرض الذهاب إلى البحرين مشي للمشاركة في قمعه!؟ وأين كان "ضرر الاتفاقية" عن خالد السلطان عندما عبّر عن خجله من عدم إرسال القوات الكويتية للبحرين!؟ وأين كانت "الدولة البوليسية" عن "حدس" عندما طالب الناطق الرسمي باسمها بفتح الحدود للذهاب إلى البحرين لقمع مواطنيها!؟



بل أين كان تحويل الخليج إلى "سجن كبير" عن الطبطبائي عندما كان ينادي بدولة خليجية واحدة مركزها السعودية!! ولا داعي هنا للتذكير بترحيب محمد هايف بقوات "درع الجزيرة" في الكويت لقمع من يعبث بأمنها[2]!!


فبالله عليكم، كيف سيأتي هؤلاء اليوم لمعارضة الاتفاقية التي طالبوا بتطبيق بنودها على الشعوب الأخرى!؟ بل أنهم لم يخجلوا من استجواب رئيس الوزراء (الأسبق) لأنه لم يخضع لمطالبهم في تنفيذ ما يرفضونه (اليوم) من شروطها!! فبأي وجه سيخرجون لرفض الاتفاقية وحشد جماهيرهم ضدها؟ وبأي اذن ستستمع الجماهير لهذه الخطابات وتتفاعل معها؟ وبأي وجه سنحترم أنفسنا ونحن مرة تلو الأخرى نكرر أخطاؤنا!؟ فهل يضحكون على أنفسهم أم نحن نضحك على أنفسنا!!؟  





[1] قد تحاول المعارضة إحياء هذه المسيرات في حال عودة الشيخ ناصر المحمد إلى المشهد السياسي بشكل رسمي كـ ولي للعهد في عهد الشيخ نواف الأحمد.

[2] ندوة أقامها "تجمع ثوابت الأمة" في 19-3-2011، وتحدث فيها النائب جمعان الحربش قائلاً:
"من يهدد بإسقاط دولة البحرين في المستنقع الإيراني نقول له تخسا وتعجز.. والله لو مشينا على أرجلنا من هني للبحرين".

أما النائب السلفي خالد السلطان فقال:
"تعرفون ليش رجعت القوات الكويتية.. لأن في قلة يمثلون جزءا من الشعب الكويتي هددوا الحكومة وقيادتها... إحنا نقول.. أخجلتونا ووضعتونا في وضع ما نقبله كشعب كويتي... وين صوت الـ 85% من شعب الكويت!؟ ما لهم حسبة عندكم!؟".

وبدوره قال النائب الدكتور فيصل المسلم:
"أعلن باسم أهل الكويت... أن موقف الحكومة الحالي لا يمثل أهل الكويت.. إنما حكومة الكويت ورئيس وزرائها هو يمثل نفسه وحكومته... لا بد من وحدة حقيقية بين دول مجلس التعاون... لماذا الشيخ ناصر المحمد يزور إيران كل سنة وترك أو كل شهر وترك؟ لماذا الشيخ ناصر المحمد لا يستطيع أو لا يُراد له أو غير مرغوب أن يزور السعودية؟".

أما النائب وليد الطبطبائي فقال:
"إذا كان الخليج يرسل جيش وقوات... فناصر المحمد يرسل ممرضين وممرضات للبحرين... هل البحرين بحاجة إلى ممرضات؟... نحن ندعو من هذا المكان إلى وحدة خليجية.. إلى كيان خليجي واحد.. ندعو إلى دولة خليجية واحدة... يكون مركزها المملكة العربية السعودية... وتحتفظ كل دولة بعناصرها ونظامها الداخلي ويكون لهذه الدولة الجيش الواحد والخارجية الواحدة.."

وأكمل:
ليت المتظاهرين في البحرين يعبرون عن رأيهم فقط.. هم "قطعوا الطريق وطالبوا بتغيير النظام وطالبوا بجمهورية بدلاً من الملكية... وقاموا بالاستيلاء على مرافق مثل المستشفيات وعطلوا مصالح الناس في تسكير الطرقات وغيرها.. فضلاً عن الاعتداء على الشرطة والاعتداء على المواطنين هناك والمقيمين وكل هذا.. يطالبون بالدفاع عنهم... الدفاع عن الفوضى لا يجوز.. لا يجوز الدفاع عن الفوضى".

وقد أعلنت "الحركة الدستورية الإسلامية" على لسان ممثلها أسامة الشاهين: "من حق مملكة البحرين.. بل من واجب مملكة البحرين.. أن تستعين بقوات "درع الجزيرة" لحماية نظامها وشعبها ومؤسساتها... نحن معها ولن نخذلها.. وإخوانكم في الحركة الدستورية الإسلامية في مقدمة الصفوف، فافتحوا الحدود أيها الحكومة".

وبين ترديد الحضور لصيحات التكبير وصيحة "الشعب يريد إرسال الجيش" رحب النائب محمد هايف بقوات "درع الجزيرة" قائلاً:
"من يدعي اليوم وتوسوس له شياطينه أن "درع الجزيرة" ممكن أن يستخدم في الكويت... نقول أهلا ومرحباً.. ليستخدم درع الجزيرة حتى في الكويت إذا كان هناك من يريد العبث بأمن البلاد... فأهلاً ومرحباً بدرع الجزيرة.. يُستخدم في البحرين ويُستخدم في الكويت ويُستخدم في المملكة.. فنحن لا نخاف من أبنائنا في درع الجزيرة.. هذه هي الحقيقة التي يجب أن يسمعها رئيس الوزراء... الشعب نعم يريد إرسال الجيش".
المصدر: محمد اليوسفي، الكويت من التحرير إلى الاختلال، ص228

Monday, January 27, 2014

الفضيحة القادمة

ما سأكتبه هنا هو مجرد "توقعات"، لم أنسجها من تسريبات أو معلومات صلبة، لذلك أرجو أن يُفرق القارئ بين التحليل "التوقعي" والتحليل المبني على معلومات صلبة.


كتبت سابقاً مقالاً تحليلياً حول"أزمة الحكم" القادمة، وذكرت فيه بأن الحالة الصحية والمرحلة السنية لسمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح (أطال الله في عمره) تساهم بشكل مباشر في استعار نيران الصراع على الحكم بين أقطاب الأسرة المتنافسين عليه، والشواهد على ذلك كثيرة.



أعتقد أن الصراع الحالي يدور حول منصب "ولاية العهد" في إمارة الشيخ نواف الأحمد الصباح، فالواضح بأن الشيخ نواف يتمتع بحالة صحية معقولة لن تعيقه عن تسلم الإمارة في حال وفاة سمو الأمير الحالي (أطال الله في عمره)، والواضح أيضاً بأن الشيخ نواف لم يعلن بشكل صريح عن اسم الشخص الذي ينوي تنصيبه كـ ولي للعهد بعد تسلمه مقاليد الحكم، وهذا ما يعطي إشارة للمتنافسين بأن المعركة ما تزال "مفتوحة" وهناك متسع من الوقت للتنافس من خلال كسب الحلفاء وضرب المنافسين.

ويتضح لي بأن أبرز المتنافسين حالياً هم الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح (بحكم السن والتدرج العائلي)، والشيخ ناصر المحمد الصباح (الأقوى سياسياً ومالياً)، والشيخ أحمد الفهد الصباح (بحكم تحالفاته وتكتيكاته)، والشيخ ناصر صباح الأحمد (كبديل "نظيف" عن الآخرين).

ونجد بأن معسكرات الشيخين مشعل الأحمد وناصر صباح الأحمد لم تكتمل حتى الآن حيث يفتقر الإثنان للعديد من الأدوات السياسية المؤثرة في الميدان، بينما معسكرات الشيخين ناصر المحمد وأحمد الفهد مكتملة النِصاب ويحاول كل منها تحسين وضع الـ"سبونسر" على الساحة، مع التنويه إلى أن معسكر الشيخ ناصر المحمد يتفوق على الشيخ أحمد الفهد سياسياً وإعلاميا ومالياً وربما "دولياً".



أقول ذلك بسبب فقدان معسكر الشيخ أحمد الفهد قدرته على إنزال الجماهير للشارع في قضية "الشريط" كما فعلوا في قضية الإيداعات المليونية، ففي قضية الإيداعات نجح المعسكر في استثمار الغضب الشعبي على الشيخ ناصر المحمد (بسبب الشيكات) في انزال الجماهير للشارع لإزاحة الشيخ ناصر المحمد عن منصبه.

إما في قضية "الشريط" الفضائحي فيمكن القول بأنها "تثَّت"، حيث تم الاعتماد على مجموعة من المغردين المشهورين للترويج للفضيحة بأسلوب رخيص أدى في النهاية إلى فشل الفضيحة في التأثير على الخصم، وفقد مغردو "الاسطبل" ما تبقى لهم من مصداقية.

على الجانب الآخر، نجد أن معسكر الشيخ ناصر المحمد يلعب باحترافية أكبر، وبأوزان أثقل، حيث تقوم استراتيجيته على بناء القاعدة أولاً، وضرب الأماكن المؤثرة ثانياً، أي أن هذا المعسكر لم يخض معارك "تويترية" سخيفة للتشهير بالشيخ أحمد الفهد، لكنه يحاول السيطرة على المؤسسات المعنية بالصراع على "ولاية العهد" مباشرة، وهي مجلس الوزراء ومجلس الأمة.

وهنا علينا الخروج عن السياق قليلاً لشرح السيناريو المتوقع للصراع القادم.

المتوقع في حال وفاة سمو الأمير (أطال الله في عمره) أن تنتقل الإمارة إلى سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح مباشرة، وسيكون من اليسير عليه الذهاب إلى مجلس الأمة وأداء القسم بلا مشاكل، وهنا سيكون أمام الشيخ نواف الأحمد سنة كاملة لتسمية "ولي العهد"، والسؤال هنا من سيختار؟ وعلى أي معيار سيعتمد؟ وما هي أهمية مجلس الوزراء والأمة في هذه المعركة؟

السيناريو الأول هو أن الشيخ نواف سيذهب إلى أسهل الحلول ويختار X من المنتمين إلى ذرية الشيخ مبارك الصباح والذي تنطبق عليه شروط الإمارة، والسيناريو "الأسهل" بأن هذا الاختيار لن يواجه بأي اعتراض علني من داخل الأسرة وخارجها، هنا يأتي دور مجلس الأمة الذي يجب عليه أن يبايع "ولي العهد" الجديد بأغلبية الأعضاء، فإذا حصل "مرشح" ولاية العهد على أغلبية الأصوات أصبح ولياً للعهد بشكل رسمي، أما في حال عدم حصوله على أغلبية الأصوات فسيكون على سمو الأمير تزكية ثلاثة مرشحين وعرضهم على مجلس الأمة ليبايع أحدهم.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تردد الشيخ نواف الأحمد في تزكية اسم واحد لولاية العهد وتزكيته لثلاثة أسماء تذهب إلى مجلس الأمة فيبايع أحدها، ومن هنا نرى أهمية السيطرة على "أغلبية" أعضاء مجلس الأمة لجميع المتنافسين على "ولاية العهد" القادمة.

وبما أن مجلس الأمة الحالي برئاسة مرزوق الغانم الناجح بالتعاون مع رئيس الوزراء بالسيطرة على غالبية أعضاء المجلس، فالسيطرة على - أو التحالف مع - معسكر (مرزوق + جابر المبارك) أصبح أمراً ضرورياً للمتنافسين على منصب "ولاية العهد" القادمة.

لذلك سيسعى معسكر الشيخ ناصر المحمد إلى استخدام اسلوب الترهيب والترغيب اتجاه معسكر (مرزوق + المبارك)، وذلك من خلال تعطيل المجلس بكثرة الاستجوابات والمشاغبات ونشر الفضائح المتعلقة بمجموعة مرزوق (الغانم، بودي، الخرافي) ومجموعة جابر المبارك (ابنه صباح، محمد الصقر)، خصوصاً وأن مرزوق دخل في هدنة واضحة مع معسكر الشيخ أحمد الفهد.

ما أتوقعه في الأيام القادمة هو الآتي:


تركيز المؤسسات الإعلامية التابعة لـ - والمتحالفة مع - معسكر الشيخ ناصر المحمد على تجمع "المسار المستقل" الذي يقوده النائب علي الراشد، ثم قيام النائبين الراشد وصفاء الهاشم بالكشف عن فضيحة كبيرة أشبه بفضيحة "الإيداعات المليونية" حول موضوع دفع غرامة "الداو"، وسيكون الهجوم بصيغة تلقي شركات كويتية عمولات مليونية للضغط على الحكومة لتسهيل عملية دفع غرامة "الداو".

أما الشركتين محل الاتهام فهما شركة "إيكويت" التي كان يرأسها رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم وشركة "القرين" للبتروكيماويات التي يرأسها الشيخ مبارك العبدالله المبارك شقيق الشيخ محمد العبدالله وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، وبذلك يمارس معسكر الشيخ ناصر المحمد ضغوطه على الحكومة والمجلس في آن واحد، وتكون الخيارات إما الكشف عن فضائح مالية (في قضية الداو وغيرها) أو تقديم الاستجوابات حول هذه القضية.


أكرر بأن ما ذكرته أعلاه هو "توقعات" مبنية على ربط الأحداث لا على معلومات صلبة.

Saturday, December 21, 2013

بماذا نجحت دبي... و فشلنا نحن !!؟


مع الإعلان عن أي خبر "إيجابي" عن دبي، أسارع إلى إغلاق نوافذي الفكرية خوفاً من الإصابة بالكآبة و الاشمئزاز نتيجة قصف المقارنات بين دبي "الناجحة" و الكويت "الفاشلة" الذي أصبح يتقنه ثلاثة أرباع الشعب الكويتي و لا يلتفت له عشرة بالمئة من الشعب الإماراتي المبتلش فينا و بمقارناتنا!!

و الاشمئزاز هنا ليس من باب الحسد لا سمح الله، لكنه من باب أن أغلب هذه المقارنات مبنية على أساسات هشة لعقول لا تعرف في دبي سوى شارع "الشيخ زايد" و "دبي مول"، بل أن مفهوم "التنمية" مشوه في هذه العقول التي لو أُعطي لها القرار في تنفيذ أي مشروع تنموي (حقيقي) ستجدها ترفضه بكل ما أوتيت من قوة جاهلية.

لذلك أجدني أكتب هذا المقال لعرض مقارنة - غير تبجيلية - بين نجاح دبي و فشل الكويت.

في البداية، علينا الاتفاق على أن الأساس الذي قامت عليه مدينة دبي و الكويت و أغلب المدن الساحلية الخليجية هو الاعتماد على البحر كمصدر رزق من خلال الغوص على اللؤلؤ و صيد الأسماك و العمل في التجارة و النقل البحري، بالإضافة إلى تنافس موانئ هذه المدن على استقبال السفن التجارية فأصبحت هذه الموانئ منذ القدم أبرز مراكز تجارة "الترانزيت" في الخليج.

و لم تتغير هذه الهوية "البحرية التجارية" لهذه المدن إلا مع نهاية الأربعينيات مع تصدير أول شحنة نفط (من الكويت) في العام 1946، و بفضل الفوائض المالية الضخمة للنفط، تمكنت الكويت من التحرر من هويتها "البحرية التجارية" التي تعتمد أساساً على العمل الشاق لتنشغل حكومة و شعباً في الحقل السياسي المحلي و الإقليمي المتزامن مع انتشار الفكر القومي في الخمسينيات، و بذلك تحولت الكويت من بلد تجاري مهني إلى بلد نفطي لا يعمل به سوى الوافدون بينما ينصرف غالبية سكانه للاهتمام بالشؤون السياسية الإقليمية و المحلية، خصوصاً مع الانتقال إلى فترة الستينيات و إعلان الاستقلال و الموافقة على الدستور و تأسيس مجلس الأمة و انتخاباته و صراعاته المتتابعة.

هكذا لم يعد في الكويت اقتصاد سوى الإيرادات النفطية، و لم يعد فيها تجارة سوى المناقصات الحكومية، و لم يعد فيها مهنيين سوى الوافدين، بينما جيَّر الكويتيون أنفسهم للمد القومي ثم المد الديني و تحولت مدينة الكويت إلى مركز للـ"ترانزيت السياسي" بعد أن كانت مركزاً للـ"ترانزيت التجاري".

بالطبع لم يشعر الكويتيون بالآثار المالية السلبية لهذا الإهمال، فأموال النفط تنجح دائماً في تغطية التكاليف و زيادة، و لم ينتبه الكويتيون إلى إهمالهم لأنفسهم و بلدهم سوى في الثاني من أغسطس 1990، عندما تعرضت بلادهم للاحتلال خلال سويعات قليلة، و اضطر غالبية الشعب لمغادرة الكويت و اللجوء إلى المدن الخليجية الشقيقة، هنا فقط أصبح الكويتيون بمواجهة مباشرة مع دبي بشكل خاص، و الإمارات العربية بشكل عام، علماً بأن دبي في تلك المرحلة لم تكن تتفوق على الكويت بشيء، لكنها كانت تتمتع بالهدوء النفسي و الفكري الذي لم يعتد عليه المواطن الكويتي المُسَيَّس.

أما دبي، الهادئة سياسياً، فلم تكن هادئة تماماً، فقد استغلت التوتر السياسي المصاحب لحرب الخليج الثانية لتنطلق اقتصادياً بالانسجام مع هويتها الأصلية كـ"مركز ترانزيت تجاري"، لكنها لم تتوقف عند التجارة البحرية فسارعت بالتوسع نحو التجارة الجوية، و ذلك من خلال بناء مطار دولي جديد و تطوير الخطوط الجوية الإماراتية، بل ان النجاح الجوي لم ينسيها الأساس البحري، فقامت بتطوير المنطقة الحرة الملاصقة لميناء "جبل علي"[1]، و ساهمت القوانين المتسامحة للمنطقة (الحرة) في جذب الشركات العالمية لتأسيس مراكز إقليمية لها في دبي.

كانت أغلب هذه المراكز - في البداية - عبارة عن مناطق تخزينية للبضاعة فقط، و كان أغلب العاملين بها من العمال أصحاب الدخول المتدنية فقط، لكن الانفتاح الاقتصادي و الاجتماعي لدبي و احترام حاكمها و محكوميها للمقيمين الأجانب ساهم في دفع هذه الشركات العالمية إلى توسيع مراكزها الإقليمية و إرسال مدراءها الكبار للعمل في دبي لمتابعة مصالحها في المنطقة.

و مع توافد هذه الطبقة الإدارية على دبي، أصبحت الإمارة ملزمة بتوفير احتياجاتهم، فانطلقت حركة بناء الفنادق و قاعات المؤتمرات و المعارض لاستقبال رجال الأعمال من كل حدب و صوب، لكن ذلك لم يرض غرور دبي، فأصبحت الإمارة تتحدى نفسها في القدرة على جذب "عائلات" رجال الأعمال لزيارتها و الإقامة فيها فـ وفرت لهم كل ما يحلمون به من أبراج سكنية و مولات تجارية و أماكن ترفيهية، كل ذلك بمصاحبة المرافق الخدمية و العقلانية التشريعية التي وفرت لهم بيئة تتفوق في الكثير من جوانبها على بيئتهم الأصلية[2].

بطبيعة الحال، لم يقف أصحاب الثروات في المنطقة مكتوفي الأيدي أمام هذا النشاط و الحركة الاقتصادية، فتسابق الكثيرين منهم على نقل أموالهم من بلدانهم الرازحة تحت قيود الانغلاق الاجتماعي و الفساد الإداري و البيروقراطية الحكومية للاستثمار في دبي التي استقبلتهم كما تستقبل الأم وليدها.

و بذلك أصبحت دبي "المدينة الحلم"، أو "المتنفس المثالي" لكل من يبحث عن الحرية في المنطقة، فمن يريد التسوق يذهب إلى دبي، و من يريد السياحة لن يجد أفضل من دبي، و من يرغب بالتوسع تجاريا فأهلا به في دبي، و من يريد عقد الصفقات التجارية و الالتقاء برجال الأعمال لن يجد أفضل من مطار و فنادق و معارض و غرف اجتماعات دبي.

لكن هذا الحلم الجميل لم يأت بلا كوابيس، فقد نجح النجاح السريع لكل المشاريع الدُبيانية في تورط الشركات المملوكة لحكومة دبي في اقتراض مبالغ ضخمة (أكثر من مئة مليار دولار) للدخول في مشاريع تفتقر للجدوى الاقتصادية، و هذا ما أسقط الإمارة في فخ الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، و أصبح الشامتون يتندرون على هذه "المشيخة" الصغيرة عبر تداول قصص الهروب الجماعي من دبي و مبانيها النصف منجزة[3]، لكن دبي نجحت في الخروج من مرحلة "عنق الزجاجة" من خلال الدعم القادم من حكومة أبو ظبي أولاً[4].

ثم من خلال العودة إلى الأسس التي قامت عليها كمركز "ترانزيت تجاري" ثانياً، و تمكن القائمين عليها من استيعاب الدرس و التفريق بين الأنشطة المطورة لفكرة مركز الترانزيت التجاري و بين الأنشطة الأخرى الغير مرتبطة بهذا الهدف، فاستمروا بالأول و ابتعدوا عن الثاني، و هذا ما ساهم في تجدد الأمل بالعودة إلى النهوض و التغلب على الأزمة المالية من خلال الفوز (المستحق) بحق تنظيم معرض أكسبو العالمي 2020.

و بذلك نعود للإجابة على سؤالنا الأول، بماذا نجحت دبي.. و فشلنا نحن!!؟

الإجابة باختصار، هي أن دبي نجحت في تحديد "هويتها" كمركز ترانزيت تجاري و هي "هوية" منسجمة مع معطياتها التاريخية و الجغرافية و السياسية، و نجحت أيضاً في تطوير هذه الفكرة من خلال عدم الاكتفاء بالجانب التجاري فقط، فأضافت إليه الجانب السياحي الترفيهي رغم التحديات المناخية، لكن نجاح هذا النموذج لن يكتمل قبل تمكنها من الابتعاد عن منطقة الخطر الاقتصادي بسبب ديونها الضخمة، و هذا لن يكون مستحيلاً مع المؤشرات الإيجابية الأخيرة كالفوز بحق تنظيم معرض إكسبو 2020 بالإضافة إلى بوادر الانفتاح الغربي على إيران و التي قد تضاعف أرقام التجارة البينية بين دبي و إيران عشرات المرات.

أما الكويت.. فقد نجحت في طمس هويتها الأصلية كميناء تجاري و التحول إلى المركز الأول للـ"ترانزيت السياسي" في المنطقة، فأصبحت تستورد مشاكل الآخرين و تُصدِّر مشاكلها و أمراضها للخارج، أيضاً نجحت الكويت في الاعتماد على أموال النفط كمصدر وحيد للدخل خلال السبعين سنة السابقة دون القيام بأي محاولة جادة لإيجاد مصادر أخرى، و نجحت أيضاً في خلق – و الإبقاء على - نظام سياسي أحوَل من الداخل و أعرج من الخارج رغم فشله الدائم و المتكرر منذ اليوم الأول لتطبيقه[5]، و بذلك، نجحت في التسويق السلبي لأي فكرة إصلاح سياسي يحاول القيام بها مواطنو الدول المجاورة.

أيضاً نجحت الكويت في تضخيم ذوات مواطنيها حتى أصبحوا مثالاً للعنجهية و التصلف و عدم احترام الآخرين و القانون حول العالم، و نجحت في حقن هؤلاء بكل الصفات المتناقضة التي لا يمكن اجتماعها في كيان واحد، فأصبح الكويتي مغرور و مُحبَط و ساخر و حِشري و مُهمِل و مثالي و جاهل و مثقف و ثوري في آن واحد!!

لذلك نقول للمتحسرين على فشل الكويت و نجاح دبي، بأن الخطوة الأولى على طريق النجاح هي تحديد هوية (اقتصادية ثقافية) حقيقية للدولة، ثم وضع خطة واقعية للوصول إلى هذه الهوية أو الهدف، و يجب على الجميع الاتفاق على تجيير كل مقدرات الدولة لتحقيق هذا الهدف، و محاربة كل من يحاول عرقلة هذا الطريق، أما إن بقينا على ما نحن عليه، نتأرجح بين الهويات السياسية و الدينية و الآيدلوجية، نتصارع على التوافه و نتسابق على المراكز الأولى في السخافات، فلا طبنا و لا غدا الشر، و الأفضل لنا أن "نبلع العافية" و لا نشغل أنفسنا و نعطل الآخرين في مقارنات على شاكلة "بُص.. شوف.. بن راشد يعمل أيه"!!

  



[1] أضيف لهذا الميناء مطار جديد في العام 2013 سُمي بمطار المكتوم الدولي.
[2] نذكر منها مول الإمارات الذي احتضن أول منصة تزلج (داخلية) على الثلج في العالم، و دبي مول بنوافيره الرائعة، و برج خليفة الأطول في العالم، و جزيرة النخلة و فندق أتلانتس البحري، بالإضافة إلى شاطئ الجميرة و الفنادق الصحراوية..إلخ.
[3] يقول المثل الاقتصادي "رأس المال جبان"، و نقول نحن بأن "رأس المال الأجنبي هو أجبن أنواع رؤوس الأموال"، و بما أن دبي كانت تعتمد بشكل كبير على رؤوس الأموال الأجنبية، فكانت سرعة هروب رؤوس الأموال منها مضاعفة.
[4] ردت دبي هذا الجميل بتغيير اسم "برج دبي" الأطول في العالم إلى "برج خليفة" تيمناً باسم الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.
[5] خلال السنوات الأولى من تطبيق الدستور شهدت الكويت الأزمة الوزارية و استقالة الحكومة و استقالة رئيس مجلس الأمة و استقالة نواب الكتلة القومية.

Monday, December 09, 2013

الوحدة الخليجية.. شعار متقدم للحفاظ على التخلف


منذ أن دشّن المفكر السياسي الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي فكرة الـ"كونفدرالية الخليجية" و الحديث عنها ثم عن الـ"وحدة الخليجية" لم يتوقف، فالكل أصبح يتناول الفكرة بالتأييد أو المعارضة حسب الإنتماء و المصلحة، و لا عيب بالطبع في ذلك فالنقاش العام يساهم دائماً في بلورة الفكرة و تهذيب شوائبها.


طرح النفيسي الفكرة لأول مرة معتمداً على دراسة للخبير الأمريكي (كاتزمان) يتوقع فيها عدم قدرة دويلات الخليج الصغرى على الاستمرار حتى العام 2025، و هذا ما جعل النفيسي يطرح عليها فكرة الذوبان داخل كيان أكبر حتى تحافظ على وجودها في المدى البعيد، و تقوم فكرته على تشكيل كونفدرالية خليجية تتوحد فيها السياسة النفطية و السياسة الخارجية و السياسة الدفاعية كمرحلة أولى، و من ثم تطورت هذه الفكرة مع هبوب رياح الربيع العربي - على البحرين - لتتحول إلى شعار "الوحدة الخليجية"، الذي تحمس له عدد لا بأس به من السياسيين المروجين لفكرة الاستقطاب العربي (السني) – الفارسي (الشيعي).


قبل الدخول في صلب المقال، و بعيداً عن العبارات الإنشائية، علينا الاتفاق بأن أي مشروع كونفدرالي أو وحدوي بين الدول يقوم على أساس تنازل الدولة الأضعف عن جزء من سيادتها للدولة الأقوى مقابل الحصول على بعض المكتسبات من هذه الدولة (الأقوى)، و نجد هذا المثال واضحاً في الاتحاد الأوربي حيث تنازلت الدول الأضعف – اقتصادياً – بجزء من سيادتها الاقتصادية للدول الأقوى كـ ألمانيا التي أصبحت تتحكم بالسياسات الاقتصادية للدول الضعيفة مقابل مكتسب واضح و هو الدعم المالي الذي ينقذ هذه الدول من الإفلاس.


و يعتمد المتحمسين لفكرة الكونفدرالية أو الوحدة الخليجية على نفس المبدأ المصلحي، و هو تنازل الدول الصغرى (الكويت، البحرين، قطر، الإمارات) عن جزء من سيادتها للدولة الأقوى (المملكة العربية السعودية) مقابل مكاسب أمنية و مالية و سياسية في حال تعرض هذه الدول لخطر التغول الإيراني أو العراقي، و يذهب البعض إلى أبعد من ذلك فيهمز و يلمز إلى قدرة المملكة العربية السعودية على حماية هذه الدول من الأخطار الداخلية في حال قيام فئة من مواطنيها (الموالية لإيران أو الإخوان المسلمين) بالثورة على النظام المشيخي الحاكم.


أي أننا نتحدث هنا عن صفقة واضحة ، تتنازل فيها العائلات الحاكمة في الكويت و البحرين و قطر و الإمارات عن جزء من سيادتها النفطية و الدفاعية و السياسة الخارجية للعائلة الحاكمة في السعودية مقابل أن تضمن عائلة آل سعود بقاء هذه العوائل في الحكم أمام التهديدات الإيرانية – العراقية من الخارج، و خطر الثورات الشيعية (في حالة الكويت و البحرين) و الإخوانية (في حالة الكويت و الإمارات) من الداخل.


أي أن هذه الوحدة أو الكونفدرالية لا تهدف إلى رفع المستوى المعيشي لمواطني هذه الدول، و لا تهدف إلى نشر الديموقراطية و زيادة الحريات لمواطني هذه الدول، و لا تهدف إلى تطوير القدرات الإدارية لحكومات هذه الدول، و لا تهدف إلى حماية حقوق الأقليات في هذه الدول، هي ببساطة تهدف إلى نقيض كل ذلك، يا عوائل حاكمة سلموني سياستكم الخارجية و النفطية و العسكرية و سأحميكم من الخطر الإيراني العسكري و الهجوم السياسي الغربي في حال أردتم قمع شعوبكم و الأقليات في دولكم كما حصل في البحرين على سبيل المثال، و السؤال الأهم هنا، هل تحتاج هذه الدول لهذه الحماية؟ و هل للمملكة العربية السعودية قدرة على ضمان هذه الحماية؟


للإجابة على هذا السؤال أحتاج للتوضيح بأني لا أتحمس كثيراً للكتابة عن شؤون الدول الأخرى حيث أطبق دائماً نظرية "أهل مكة أدرى بشعابها"، لكن مسألة الوحدة اليوم مطروحة و سنحتاج إلى تسليط الضوء على الحالة السياسية في دول الجوار، و بالنسبة للسياسة الدفاعية، فيجب علينا الانتباه إلى أن المملكة العربية السعودية بذاتها تعتمد في الدفاع عن نفسها على قوة خارجية و هي الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنها في الأساس غير قادرة على حماية نفسها أمام المواجهات العسكرية الجدية، فكيف ستحمي غيرها؟ خصوصاً و أن كل دول مجلس التعاون المعنية بالوحدة تستعين هي الأخرى بالحماية الأجنبية الأمريكية بشكل أساسي في الدفاع عن نفسها، وهذا ما يجعلني أقول بأن السياسة الدفاعية لدول الخليج العربية موحدة بالفعل من خلال الاعتماد على القواعد الأمريكية و قواتها و عقود التسليح معها.


أما الثورات الداخلية فهي تعتمد أساساً على الفجوة ما بين الحاكم و المحكوم، فكلما اتسعت الفجوة بين السلطة و الشعب زادت احتمالات قيام الثورات الداخلية التي يعتمد فيها الثوار على تجييش المجاميع الشعبية ضد الحكم تحت شعار المطالبة بالمزيد من الحريات و مكافحة الفساد و الحفاظ على ثروات البلد من السراق، و السؤال الحتمي هنا هو هل الفجوة بين الشعب السعودي و أسرته الحاكمة أقل اتساعاً من الفجوة بين الشعب الكويتي و البحريني و القطري و الإماراتي و أسره الحاكمة؟


من خلال نظرة بسيطة يمكننا القول بأن الفجوة بين الحاكم و المحكوم في المملكة العربية السعودية أوسع بكثير منها في الكويت و الإمارات و قطر بسبب تدني متوسط دخل الفرد في المملكة بالتزامن مع تمتع أفراد الطبقة الحاكمة بثروات طائلة، يحدث هذا في مناخ يفتقد لأبسط آليات التنفيس و حرية التعبير و بلا أي مشاركة شعبية في اتخاذ القرار، لذلك لا أجد أي سبب منطقي يجعلني أتوقع قيام ثورة شعبية (إيرانية أو إخوانية) في الدول الخليجية الصغرى و لا أتوقع قيامها في المملكة العربية السعودية، خصوصا مع غياب الرؤية الواضحة لترتيبات الحكم في المملكة مع اقتراب انتقاله إلى الجيل الثالث من عائلة آل سعود.


أما بالنسبة للسياسة الخارجية، فالمملكة تتخذ الكثير من المواقف الخارجية الجريئة التي قد لا تضرها ذاتياً لكنها ستضر الكيانات الخليجية الأصغر في حال تبنيها لهذه المواقف، نذكر على سبيل المثال استقبال المملكة لزين العابدين بن علي و عدم تسليمه إلى الحكومة التونسية، بالإضافة إلى مواقف المملكة من الصراع السياسي في العراق و لبنان و العسكري في سوريا، علما بأن الموجة العالمية اليوم هي انفصال الكيانات الصغرى عن الكيان الأكبر بسبب عدم الرغبة في تحمل تبعات قراراته السياسية الخارجية، نذكر على سبيل المثال هنا الرغبة الاسكوتلندية في الانفصال عن انجلترا و الذي سيتم التصويت عليه في 2014.


و بالنسبة للسياسة النفطية، فالمسألة تعتمد على العرض و الطلب و لا أعتقد بأن الخيارات المتاحة لدول الأوبك أكثر مرونة من السابق، خصوصا مع مقدمات عودة النفط الإيراني و ارتفاع الانتاج العراقي و توقعات زيادة الانتاج الأمريكي من النفط الصخري، كل هذه الأسباب تجعلني لا أرى أسباب منطقية للحماسة نحو الوحدة الخليجية المزعومة، مع استثناء حالة البحرين التي ستسفيد مالياً من الدعم السعودي و سيستفيد النظام الحاكم فيها سياسياً من الحماية السعودية في ظل وجود أغلبية شيعية تشعر بالظلم و الاضطهاد.


الغريب في الأمر، أن أبرز من يروج لفكرة "الوحدة الخليجية" المتمركزة على فكرة التنازل عن سيادة الدولة - النصف ديموقراطية - لدولة أخرى يحكمها نظام ملكي عائلي هم أنفسهم من كان يطالب بالمزيد من الحريات و الحكومة المنتخبة!!  كل ذلك من أجل تحقيق حلمهم الاستمنائي السخيف بمقاومة "المد الصفوي" و "التغلغل الشيعي"، و هو ما لم يتمكنوا من تحقيقه في ظل التخلف الحالي و الدعم الأمريكي في السنوات السابقة، و المؤكد أنهم لن ينجحوا في تحقيقه مستقبلاً مع تغير الموقف الأمريكي في ظل وحدة خليجية تعتمد على تعميم التخلف و اضطهاد الحريات.