Sunday, July 17, 2016

أردوغان... من صفر مشاكل إلى صفر استقرار!!



نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ’’بَنشرة‘‘ إطارات الانقلاب الذي قام به مجموعة من قيادات الجيش التركي، وذلك من خلال مكالمة عبر برنامج ’’فيس تايم‘‘ طالب فيها الشعب التركي بالنزول إلى الشارع والتصدي لقوات الانقلاب، وذلك ليس من أجله شخصيا، لكن من أجل حماية الديمقراطية التركية وإرادة الشعب التي أوصلته إلى منصبه.

وبالفعل، استجاب الآلاف من أبناء الشعب التركي لهذا النداء ووقفوا في وجه الانقلاب الذي فشل قبل أن يولد، وبذلك انتصر الشعب أولاً، والديمقراطية التركية ثانياً، وأردوغان ثالثاً، فقد أصبح اليوم في موقع قوة أمام خصومه سواء من أيد الانقلاب أو لم يؤيده.

وبعيدا عن غرابة الانقلاب وغموض تفاصيله، أجد أن من واجبنا البحث عن الأسباب التي أوصلت تركيا إلى هذه المرحلة، فما الذي يجعل قيادات وسطى من الجيش التركي خوض هذه المغامرة غير المدروسة، وارتكاب هذه الحماقة التي ستكلفهم وتكلف مؤيديهم الكثير!؟



أعتقد أن جذور المسألة تعود إلى العشرين سنة الماضية، حيث كانت تركيا تستميت على الانضمام إلى الاتحاد الأوربي للحصول على المكاسب الاقتصادية أولا، وتأكيد هويتها الأوربية ثانيا، ولكن هذه المحاولات قوبلت دائما بالصد والنظرة الأوربية الفوقية، حيث يرفض هؤلاء تنفيع تركيا (الإسلامية) اقتصاديا، كما يستنفعون هم منها عسكريا من خلال حلف ’’الناتو‘‘.

وفي العام 2003، جاء السياسي الإسلامي ’’رجب طيب أردوغان‘‘ إلى سدة رئاسة الوزراء في تركيا، فحاول كسب ود الأوربيين أولا، إلا أنهم استمروا في التصدد والتمنع، فما كان منه إلا تغيير مسار تركيا مئة وثمانين درجة، وذلك بالالتفات إلى الشرق، وإعادة تركيا إلى تاريخها العثماني المجيد، كقائدة روحانية وسياسية واقتصادية للعالم الإسلامي.

وضع أردوغان وصديقيه ’’عبدالله غُل‘‘ و’’أحمد داود أغلو‘‘ أساسيات الدور الذي ستلعبه تركيا في العهد الجديد، فعلى المستوى الاقتصادي، ستكون تركيا الجسر الذي ينقل ثروات الشرق إلى الغرب، ومنتجات الغرب إلى الشرق، فالشرق مفعم بمصادر الطاقة النفطية والغاز، وأوربا بحاجة إلى هذا الوقود للتدفئة ولتشغيل عجلات مكناتها الصناعية، وفي الوقت نفسه، أوربا غنية بالماء والمنتجات الصناعية، ودول الشرق الأوسط بحاجة ماسة لها، وبالتالي، فلن يجد الشرق والغرب أفضل من تركيا للعب دور الوسيط بينهما.



لكن هذا الطموح التركي اصطدم بالكثير من العوائق التي ستعرقل قيامها بهذ الدور، وأبرز هذه الحواجز كانت العلاقات السياسية المتوترة التي تربط تركيا بأغلب دول جوارها أولا، والخلافات السياسية بين دول الجوار بعضها ببعض ثانيا، فما كان من الفريق التركي سوى وضع مشروع جديد اطلقوا عليه استراتيجية ’’صفر مشاكل‘‘.

ويقوم هذا المشروع على فكرة عبقرية، وهي أن الدور الاقتصادي الذي ستلعبه تركيا، سيحتاج إلى دور سياسي مساند، وبالتالي على تركيا أن تقوم بـ’’تصفير‘‘ مشاكلها مع دول الجوار أولا، ثم لعب دور الوسيط بين دول الجوار لـ’’تصفير‘‘ مشاكلها البينية العالقة ثانيا.

وبالفعل، لعبت تركيا هذا الدور السياسي والاقتصادي بامتياز، فتمكنت تدريجيا من سحب بساط النفوذ الإقليمي من مصر والسعودية، وأصبح أردوغان هو الزعيم الأكثر شعبية في وجدان الجماهير الإسلامية السُنية[1]، وبذلك ازدهر الاقتصاد التركي وتشعبت ارتباطاتها المالية، وتضاعفت قوتها السياسية حتى أصبحت الدول الأوربية تتودد إليها بعد أن كانت تتنكر لها سابقاً.

لكن هذا المجد والنجاحات التي حققها أردوغان في مضمار الاقتصاد والسياسة، أوقعت الرجل في فخ الثقة المبالغة بالنفس، فسقط أمام أول اختبار حقيقي بين طموحه الإقليمي واستراتيجيته التصفيرية للمشاكل، فمع بداية العام 2011م، عصفت في الشرق الأوسط عواصف ثورات ’’الربيع العربي‘‘، وبدأ أعتى الحكام وأكثرهم خبرة وشراسة بالتساقط كقطع الدومينو خلال أسابيع قليلة.

فسقط ’’زين العابدين‘‘ تونس أولا، و’’حسني مبارك‘‘ مصر ثانيا، وترنح ’’قذافي‘‘ ليبيا ثالثا، واهتز عرش ’’علي صالح‘‘ اليمن رابعاً، فتوقع أردوغان، كما توقعنا جميعا، أن يلحقهم ’’بشار‘‘ سوريا خامساً، وهذا ما جعل لعاب الزعيم التركي يسيل أمام هذا الصيد الثمين، ففرصة السيطرة على سوريا وإيصال نظام حاكم موالي إلى سدة الحكم فيها لن تتكرر في العمر مرتين، خاصة وأن الانتخابات المصرية أسفرت عن وصول تنظيم الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم فيها.

وبالتالي، قرر أردوغان ’’تسفيط‘‘ استراتيجية ’’صفر مشاكل‘‘ ووضعها على الرف مؤقتا، واستبدلها باستراتيجية ’’Full مشاكل‘‘، وذلك من خلال دعم المعارضة السورية التي عملت على إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، لكن ’’براغي‘‘ كرسي بشار لم تكن لتُفك بسهولة، حيث أنه يتحالف مع كيانات إقليمية تشتهر بـ’’العرودة‘‘[2]، فأصبحت الحرب ضد بشار، حربا ضد ’’روسيا‘‘ و’’إيران‘‘ و’’حزب الله‘‘ اللبناني بالتبعية، ففرملت هذه التركيبة المعقدة الطموحات الأردوغانية الإقليمية!!

طمح أردوغان في البداية إلى استقطاع منطقة عازلة من الأراضي السورية، وجعلها منطقة حظر طيران، فينطلق الثوار منها لتحرير بقية المناطق وإسقاط النظام الحاكم في دمشق، لكن الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية لم تتعاون معه في هذا المشروع، خاصة وأن المعارضة التي كان يدعمها كشفت عن وجهها الإسلامي المتطرف والمتوحش، وبالتالي فقدت ثقة وحماسة الغرب لها ولنظام الحكم الذي ستطبقه في سوريا بعد إسقاط الأسد.

وبدلاً من أن يستوعب أردوغان الدرس وينسحب من المشهد بأقل الخسائر، قرر الزعيم التركي أن يُعمق توغله في المستنقع السوري، ففتح حدوده لعشرات الآلاف من الجهاديين الإسلاميين الذين جاؤوا للقتال ضد بعضهم البعض والنظام السوري من جميع أنحاء المعمورة، ورغم مباركة الغرب لهذا الاجتهاد في البداية، إلا أنه استوعب خطورته لاحقاً، وذلك بعد عودة العشرات من هؤلاء المجاهدين إلى بلدانهم الأوربية وقيامهم بتنفيذ العديد من العمليات الإرهابية الدامية.



وبالتالي، دخل أردوغان في مواجهة مفتوحة مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، فهم يتهمونه بفتح حدوده للإرهابيين الذين يضربونهم في عقر دارهم، وهو يتهمهم بخيانته في مشروعه لإسقاط بشار الأسد، خاصة بعد أن فقد اقتصاده المزدهر ازدهاره، وأمنه المستتب استتبابه، ودوره السياسي الإقليمي بريقه، فما كان منه سوى العودة إلى المتحف العثماني لاستخراج أطول ’’خوازيقه‘‘ التي ستعيد له احترام الغرب ومهابته.

وفي ليلة ظلماء، وبينما كان حكام أوربا نائمون في سبات عميق، قرر التركي المكير أن يغرز ’’خازوقه‘‘ في مؤخرة الاتحاد الأوربي، فتدفق مئات الآلاف من اللاجئين السوريين على البلاد الأوربية، ولم يحسن الأوربيون التعامل مع هذه الضربة الخازوقية، فاضطرت المستشارة الألمانية لإجبار دول الاتحاد على استقبال مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وتحمل أعبائهم الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وهذا ما تسبب في تلقي الاتحاد خازوقا آخر من الشعب البريطاني، الذي قرر إخراج بلاده من الاتحاد الذي انطبق عليه القول الأثير ’’إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه‘‘ (أو خوازيقه في هذه الحالة)!!



وبهذا اضطر الأوربيون للعودة صاغرين إلى أردوغان ليسحب ’’خوازيقه‘‘، ففرض عليهم شروطا أعطت للأتراك بالخوازيق ما لم يحصلوا عليه بالعلاقات الودية، وهو فتح البلاد الأوربية للمواطنين الأتراك للسياحة والتجارة، عسى أن يساهم هذا الانفتاح في إعادة التوازن إلى الاقتصاد التركي، إلا أن هذا الاتفاق لم يتم لعدم جدية الطرفين، وبالتالي تدمرت علاقته بالشريك الأوربي.

على الجانب الآخر، تزامنت هذه الأزمة مع أزمة أخرى واجه فيها أردوغان شريكه الأمريكي، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تكتف بالتخاذل في مساعدته في مشروعه لإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، بل أنها تبنت فصائل القوات الكردية التي تقاتل الجهاديين الإسلاميين على الحدود التركية السورية، وهؤلاء الأكراد هم العدو اللدود لتركيا التي تتهمهم بالإرهاب والخيانة، فساهمت هذه المعادلة في تدمير علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية أيضا.


ومع احتدام المعارك في سوريا، قرر ’’أبضاي‘‘ روسيا التدخل فعليا في المعركة لإنقاذ صديقه في دمشق، فبدأت الطائرات الروسية تدك حصون المجاميع الجهادية المدعومة من أردوغان وشركاؤه، فحاول أردوغان إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأصدر أوامره بإسقاط إحدى الطائرات الروسية التي اقتربت من حدوده الجوية، فسقطت ’’السوخوي‘‘ الروسية، وسقط حماس أوربا وأمريكا بدعم صديقهم التركي معها، ووجد أردوغان نفسه بلا ’’ظهر‘‘ أمام غضب الدب الروسي.



وبذلك، تحولت استراتيجية ’’صفر مشاكل‘‘ إلى مشكلة اللاجئين مع أروبا، ومشكلة الأكراد مع أمريكا، ومشكلة الطائرة مع روسيا، ومشكلة دعم المعارضة مع سوريا، وكأن كل هذه المشاكل لم تكن كافية، ففتح أردوغان جبهات أخرى مع جارته العراق التي قصفت قواته الأكراد فيها، ومع مصر التي لم يعترف بالحكم الجديد فيها، فأصبح الجميع ينظر إلى أردوغان على أنه ’’مشكلجي‘‘ المنطقة، وبدأ الجميع بالابتعاد عنه ليعيش في عزلة خانقة.



ومما زاد طين أردوغان بِلة، أن كل هذه المشاكل أتت على حساب الجيش التركي، الذي أصبح يرى نفسه قاب قوسين أو أدنى من التورط في عدة جبهات لا ناقة له فيها ولا جمل، حيث أوقعه ’’استهتار‘‘ أردوغان بمواجهات ساخنة مع السوريين والعراقيين والروس والأكراد والإرهابيين، بعد أن كان في مواجهة واحدة مع الأكراد في حقبة ما قبل 2011م!!



وتزامن كل ذلك مع انفجار فقاعات الأزمات الداخلية، فمن ابتعاد لأهم المستشارين والحلفاء، إلى عمليات إرهابية شبه ’’دورية‘‘، إلى اتهامات بقضايا تنفيع وفساد، إلى ممارسات دكتاتورية وتقييد للحريات، فأصبح المشهد الجميل لتركيا ما قبل 2011م قاتماً، وأصبح وجود أردوغان غصة في بلعوم استقرار تركيا.






وأمام هذا المشهد السوداوي، تفاجأ الجميع بتصريح ’’أبريلي‘‘ لقيادة الجيش التركي ينفي فيه وجود أي نية للانقلاب على أردوغان واقتلاعه من سدة السلطة، وتبع هذا التصريح بعدم وجود نية للانقلاب ’’انقلابا‘‘ حقيقيا في توجهات أردوغان السياسية، فمن دون أي مقدمات، ومن دون سابق إنذار، قررت الحكومة التركية إعادة الدفء إلى علاقاتها الباردة بإسرائيل، وتقديم الاعتذار عن خطأ إسقاط الطائرة إلى الدب الروسي، والتصريح علنا بعدم ممانعتها ببقاء الرئيس السوري ’’بشار الأسد‘‘، والرغبة الصادقة بعلاقات طيبة مع الحكومة السورية!!




ومن هنا تبقى الأسئلة مفتوحة، هل لانقلاب ’’يوليو‘‘ الفاشل علاقة بتصريحات الجيش ’’الأبريلية‘‘!؟ وهل لتصريحات الجيش في أبريل علاقة بالانقلاب السلمي في توجهات أردوغان السياسية!؟ كل هذه الأسئلة ستجد لها إجابات في الأيام القادمة، لكن ما نعرفه اليوم، هو أن الشعب التركي وقف مع قيادته الشرعية، وأن المعارضة التركية لم تستغل الفرصة للغدر بأردوغان في اللحظات الحرجة، وأن أردوغان، سيبقى رقما صعبا في المعادلة الإقليمية، سواء عاد إلى ’’تصفير‘‘ المشاكل أو تفجيرها!!




[1] تمكن أردوغان من ترسيخ هذه المكانة بعد انسحابه أمام الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في مؤتمر دافوس الاقتصادي في بداية العام 2009م.
[2] الصلابة.

Saturday, May 14, 2016

الراعي الخليجي... والأغنام السورية !!



قصة ’’الراعي والذئب‘‘.. من القصص التي لازالت عالقة في ذهني منذ الطفولة، وتدور أحداثها حول ’’راعي‘‘ كان يقوم برعاية الأغنام خارج القرية، وذات مرة سمع أهل القرية صوته منادياً: ’’الذئب.. الذئب!!‘‘.. وعندما هبّوا لنجدته وجدوه يضحك ويقول: ’’آسف.. آسف.. لقد كنت أمزح معكم!!‘‘.

وبعد هذه الحادثة بأيام، تكرر نفس المشهد ثانية.. ثم كررها ثالثة.. فاتخذ أهل القرية قراراً بعدم أخذه على محمل الجد، وعدم نجدته في المستقبل حتى لا يصبحوا مادة لسخرياته المتكررة.

وفي يوم من الأيام، تفاجأ الراعي بالذئب يهجم على أغنامه فعلاً، فبدأ بالصراخ طلباً لنجدة أهل القرية، إلا أن أحداً منهم لم يعره اهتماما، فقد خسر صاحبنا كل ما لديه من مصداقية، وبذلك لم يتمكن من حماية أغنامه، فخسر الإثنين معا، المصداقية والأغنام!![1]

هذه القصة الساذجة، تذكرني بالاستراتيجية التي أدارت فيها ’’دول الخليج‘‘ معاركها الإقليمية في مرحلة ’’الربيع العربي‘‘، فهذه الدول بقيادة المملكة العربية السعودية وقطر، وبتبعية إجبارية للبحرين، واندفاعية حماسية للإمارات، وتململية ترددية للكويت[2]، وجدت في هذا ’’الربيع‘‘ فرصة سانحة لتضخيم النفوذ الإقليمي والتخلص من الكيانات المزعجة في المنطقة حسب مبدأ ’’زلقة بـ طيحة‘‘!!

فـ بما أن الجماهير الغاضبة تمكنت من الإطاحة بحكم ’’زين العابدين بن علي‘‘ في 29 يوماً، و’’حسني مبارك‘‘ في 18 يوماً، فليس من المستبعد أن تتمكن من الإطاحة بحكم ’’البعث‘‘ وبشار الأسد في سوريا خلال عشرة أيام، لكن الجميع فوجئ، ومنذ الأيام الأولى، بقوة تماسك النظام السوري ووقوف الجيش العربي السوري مع قيادته، فكان لابد هنا من استخدام الخطة ’’B‘‘!!

أما الخطة ’’B‘‘، فهي تعتمد على استنساخ النموذج الليبي وتطبيقه في سوريا، فكما يعلم الجميع، ساهمت الشخصية المضطربة للزعيم الليبي معمر القذافي في تسهيل عملية ’’استصدار‘‘ قرار دولي بالتخلص منه، فمع بداية انتشار المظاهرات الثورية في ليبيا خرج القذافي في خطابه الانفعالي قائلاً:

’’سنزحف أنا والملايين لتطهير ليبيا... شبر شبر!!... بيت بيت!!... دار دار!!... زنقة زنقة!!... فرد فرد!!‘‘[3].

وبطبيعة الحال، عندما نترجم هذا المقطع حرفياً إلى اللغة الإنجليزية سيظهر بالشكل التالي:

“With millions (of fighters), I will move to CLEAN Libya… span by span!!... home by home!!... house by house!!... road by road!!... person by person!!”




ولكم أن تتخيلوا ’’ردة فعل‘‘ السياسي الغربي والأوربي - الذي لا يفهم ثقافة ’’الهياط‘‘ و’’المبالغات‘‘ عند العرب – على هذا الخطاب، وعلى هذه الفقرة بالذات، حيث أنها كانت كافية لاستكمال الصورة الكلاسيكية[4] للدكتاتور المخبول الذي لا يتورع عن البطش بشعبه و’’تطهيره‘‘ من كل من يقف في وجهه!!

وبالتالي، أصبح من السهل إستصدار قرارات أوربية – ودولية - تسمح لقوات ’’حلف الناتو‘‘ بالتدخل المباشر لإسقاط الزعيم الليبي، خاصة وأنه لم يكن مسنوداً من إحدى القوى العظمى، ولم يكن محبوبا بين الزعماء العرب، فأدى ذلك إلى تطبيق الخطة ’’B‘‘ عليه باحترافية عبر الخطوات التالية:

1-    فرض حظر جوي على الطيران الليبي.
2-    فرض الحماية الدولية على مدينة ’’بنغازي‘‘ وجعلها منطقة ’’عازلة‘‘ ينطلق منها الثوار تدريبيا وإداريا ولوجستياً.
3-    قيام طائرات حلف الناتو بالتمشيط الجوي وتمهيد الطريق للثوار من خلال قصف قوات القذافي قبل التحامها بالثوار.

وبطبيعة الحال، أدت هذه الخطة المُحكمة إلى قصقصة أجنحة القذافي وتكتيفه، فتم بقر بطنه والقضاء عليه بالسكاكين بعد أن أصبح عارياً وحيدا يهيم على وجهه في العراء!!



وقد استوعب حكام العرب هذه الخطة وهذا الدرس جيداً، فـ لإسقاط أي نظام حاكم، نحن بحاجة إلى هذه العناصر السبعة:

1-    ثورة شعبية تشمل من 60% إلى 80% من الشعب (غالبا ما تتكون هذه النسبة من المعارضة بسبب القمع والديكتاتورية التي يمارسها النظام وجلاوزته، وتتضاعف هذه النسبة عندما يبدأ بالتفكك والتهافت، خاصة بعد التعرض لعمليات الدعاية الإعلامية التحريضية).
2-    إثبات جنون ووحشية قائد النظام وعدم تردده في ارتكاب المجازر ضد شعبه.
3-    تفكك الفعاليات الرئيسية في النظام وخاصة الوزراء والسفراء وكبار الضباط.
4-    وقوف جيشه على الحياد أو الاصطفاف خلف الشعب الثائر.
5-    وقوف المجتمع الدولي ضده وتتابع استصدار القرارات الدولية الممهدة للتدخل الدولي المباشر.
6-    فرض حظر جوي على النظام وفتح الأجواء الجوية للطيران المساند للثوار.
7-    اقتطاع منطقة ’’عازلة‘‘ تكون ’’عاصمة‘‘ الثوار ومركز قيادتهم وتسليحهم واستراحتهم وتمويلهم.

لكن النتيجة السيئة التي انتهت عليها الثورة الليبية، جعلت العقلاء ينتبهون إلى أن سهولة إسقاط الأنظمة لا تعني بشكل من الأشكال سهولة تأسيس نظام ’’بديل‘‘ ينقل البلد إلى حال أفضل، فالتجربة العراقية والمصرية واليمنية والليبية، تثبت بأن سقوط الأنظمة الدكتاتورية يتبعه في أغلب الأحيان كوارث إنسانية واقتصادية وسياسية واجتماعية، وكلما تورطت الأيدي الأجنبية في هذه العملية، كلما كانت الانهيارات اللاحقة أكثر عنفاً وشراسة.




هذه النظرية، لم تكن محل اهتمام الأنظمة الخليجية في منتصف العام 2011، فالمهم اليوم هو إسقاط حكم بشار الأسد بأي ثمن، وبعد ذلك سيتدبر العالم أمر اقتسام تركته وإعادة بناء الدولة السورية، وهذا ما جعل دول الخليج تنتهز فرصة خروج نسبة لا بأس بها من السوريين للمطالبة بحقوقهم الإنسانية والسياسية والمعيشية لتحقيق هدفها الأكبر وهو إسقاط النظام السوري المتحالف مع ’’إيران‘‘ و’’حزب الله‘‘ وتنصيب نظام جديد يدور في مدارات الوصاية الخليجية.

ولأن دول الخليج، بكل ما فيها من فعاليات شعبية وحكومية وحقوقية وسياسية وإعلامية وعلمية وعسكرية ودينية ومشيخية لا يمكنها أن ترى العالم إلا من منظور طائفيتها المذهبية البغيضة، وعنصريتها العرقية السخيفة، وسطحيتها السياسية العبيطة، قامت بإسقاط هذه المعايير القذرة على منظورها للثورة – أو الاحتجاجات – السورية.

مقال نشره المعارض السوري ميشيل كيلو في العام 2012


فبدأت ماكنات الإعلام الخليجي بتسليط أضوائها الطائفية على المشهد السوري، فتحولت القضية تدريجياً من قضية شعب يثور من أجل حُرياته الديمقراطية والحقوقية والاقتصادية، إلى قضية شعب ’’سُني‘‘ يثور ضد نظام ’’علوي نُصيري شيعي‘‘ يحكمه بالنار والحديد والقمع والديكتاتورية!!

وهكذا هبَّ سلفيو الخليج وإخونجيتهم لترويج هذه الرؤية القاصرة للقضية، ولحقتهم بعد ذلك قطعان الشعوب البترودولارية، فبدأت التبرعات تنهال باسم الانتصار لـ’’أهل السُنة والجماعة‘‘، وبدأت أفواج المجاهدين تتسلل إلى سوريا برعاية ’’أوردغانية‘‘ باسم الدفاع عن ’’أهل السُنة في بلاد الشام‘‘، وهكذا تحولت القضية الحقوقية إلى قضية طائفية، وذابت وجوه القيادات المدنية للمعارضة السورية في بحور القيادات الداعشية والقاعدية وما بينهما.

المعارض السوري الليبرالي برهان غليون في رئاسة المجلس الوطني السوري في 2011


ولأن ملايين الدولارات وملياراتها لا يمكن أن تأتي بنتيجة ’’ذكية‘‘ لأفعال ’’غبية‘‘، استمرت الوصاية الخليجية للمعارضة السورية في الخطة ’’B‘‘، وهي تعتمد على استدراج قوات ’’حلف الناتو‘‘ للتدخل بالأزمة السورية، وإسقاط بشار الأسد كما تم سابقا مع القذافي، لكن الرياح لا تجري دائما كما تشتهي السفن!!

فرغم كل المحاولات المستميتة لـ’’الجزيرة‘‘ و’’العربية‘‘، إلا أن الحالة السورية لم تنطبق عليها أياً من المعايير السبعة المذكورة أعلاه، فنسبة كبيرة من الشعب السوري لا زالت تتمسك بالنظام، وشخصية بشار الأسد الهادئة والمتزنة – والعلمانية - لم تظهر ميوله للبطش والتوحش والتطهير، والأغلبية العظمى من أركان نظامه المدنية والعسكرية لم تتفكك عنه وتنفصل، والجيش العربي السوري في مجمله يحارب بشراسة مع النظام، وبالتالي لم يتمكن المجتمع الدولي من استصدار قرارات مباشرة بالتدخل في سوريا، خاصة مع وجود الفيتو الروسي والصيني بالمرصاد.

وهكذا فشل صقور الخليج في فرض حظر جوي على الأجواء السورية، وفشلت تركيا في استقطاع ’’حلب‘‘ كمنطقة عازلة تكون مركزا لانطلاقة الثوار، وحتى تكتمل أركان الفشل الخليجية والتركية، سقطت كل محاولات هذا التحالف بإيجاد ’’بديل‘‘ مدني ديمقراطي ليبرالي ينجح في إقناع ’’حلف الناتو‘‘ والغرب بأن مستقبل سوريا بلا ’’أسد‘‘ سيكون أفضل من حاضرها وماضيها!!

ولأن أموال البترودولار ليس لها قيمة في يد أصحابها، وهي قادرة على شراء ذمم مرتزقة الإعلام العربي، لم تستوعب دول الخليج الفشل النهائي لاستخدام الخطة ’’B‘‘ مع الحالة السورية، ولم تتقبل سقوط مشروع إثبات ’’قذّافية‘‘ ’’الأسد‘‘، ولم تيأس من محاولات استدراج القوات الغربية لحسم المعركة في سوريا، فبعد ’’الحولة‘‘ و’’الكيماوي‘‘ و’’مضايا‘‘ و’’حلب‘‘، تستمر الـ هاشتاقات الخليجية في الهشتقة، علّ وعسى أن تتمكن من إقناع أوباما بالتدخل!!

لكن أوباما، ومن خلفه زعماء ’’حلف الناتو‘‘ والمبعوث الدولي للأمم المتحدة ليسوا بهذه السذاجة والغباء التي تجعلهم يسقطون في فخ ’’الشهوات‘‘ الخليجية، فقد استوعبوا الدرس من قصة ’’الراعي والذئب‘‘، ولم يعودوا يعيرون ’’الراعي‘‘ الخليجي اهتماماً، خاصة بعد احتراق أيديهم بلهيب اللاجئين والعمليات الإرهابية، وبالتالي ساهمت سوء نوايا ’’الراعي‘‘ في الكشف عن ظهر أغنامه للذئاب، وازدياد أوضاعها السيئة سوءا!!





بل أن النتائج جاءت عكسية تماما للخطة ’’B‘‘، فبدلا من تأتي ’’أمريكا‘‘ لنجدة المعارضين جاءت ’’روسيا‘‘ لنجدة النظام، وبدلاً من يأتي ’’حلف الناتو‘‘ لنصرة الرغبات الخليجية جاء ’’الحرس الثوري‘‘ للانتصار لـ بشار!! وبذلك أصبح الخليج بأمواله وإعلامه وفبركاته وطائفيته وعنصريته وقذاراته عبئا على المعارضة السورية وثورتها!!

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا ينجح العالم كله في استيعاب درس ’’الراعي والذئب‘‘، وتفشل الكروش الخليجية في استيعاب هذا الدرس البسيط!؟ ولماذا تستمر وسائل الإعلام الخليجية في ترسيخ هذا الفشل والغباء عبر ترويج الأكاذيب وتغييب الحقائق!؟

لماذا لا تذكر وسائل الإعلام الخليجية بأن الحرب في سوريا ليست حربا طائفية أو عرقية يمارسها ’’العلويون‘‘ ضد ’’أهل السُنة والجماعة‘‘، وأن النظام السوري وجيشه يعُجّون بالقيادات ’’السُنية‘‘، فرئيس الوزراء وائل الحلقي ’’سُني‘‘، ووزير الخارجية وليد المعلم ’’سُني‘‘، ووزير الأوقاف محمد السيد ’’سُني‘‘، ومفتي سوريا أحمد حسون ’’سُني‘‘، ووزير الإعلام عمران الزعبي ’’سُني‘‘، ووزير الدفاع الذي يقتل جيشه ’’أهل السُنة‘‘ ’’سُني‘‘، ووزير الداخلية الذي تعتقل مخابراته ’’أهل السُنة‘‘ ’’سُني‘‘!!



لماذا تتساخف أجهزة الإعلام الخليجي في تصوير المشهد السوري على أنه حرب يشُنها ’’قذافي‘‘ سوريا ضد الأطفال والنساء والشيوخ وفي الوقت نفسه تتلذذ في نقل إحصائيات القتلى من ’’حزب الله‘‘ و’’الحرس الثوري‘‘ الإيراني!!

فإذا كانت الحرب ببساطة بين نظام مدجج بالسلاح ضد أطفال ومدنيين عُزَّل، فمن الذي يقتل العشرات من ضباط الحرس الثوري الإيراني والجيش السوري!؟ أليس من المنطقي أن يتساقط هؤلاء بسبب شراسة المعارك والمواجهات بين قوات النظام وقوات المعارضة!؟








أنا هنا لا أتساءل عن موازين الحق والباطل، أو عن تأييد هذا الطرف أو ذاك، بل أتساءل فقط عن المصلحة الكامنة في تشويه الحقائق وإخفاء الصورة الموضوعية للمعركة!؟ والتي أنتجت في النهاية انقلاب موازين التأييد العالمي إلى صالح الأسد ضمنياً، واقتناع الحلفاء بعدم جدوى الاستماع إلى الوَنوَنة الخليجية!!



ألا تنطبق صورة القصف الجوي على ’’حلب‘‘ في سوريا على صورة القصف الخليجي على ’’صنعاء‘‘ في اليمن!؟

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لماذا لا يذكر الإعلام الخليجي مصدر ’’شرعية‘‘ الرئيس هادي والتي تستحق أن يُسحق المسحوقين في اليمن من أجل إعادتها!؟

لماذا لا يذكر الإعلام الخليجي أن ’’شرعية‘‘ الرئيس هادي جاءت من انتخابات ’’صورية‘‘ لم يخضها غيره!! وأن الحوثيين وغيرهم من فئات الشعب اليمني قاطعوا هذه الانتخابات ولم يعترفوا بها منذ البداية!؟





لماذا يرسم الإعلام الخليجي المشهد اليمني باللون الأبيض والأسود، فيصنع من ’’هادي‘‘ بطلاً للشرعية، بينما يصف الحوثيين وصالح بـ’’المتمردين‘‘ و’’المخلوع‘‘، دون الإشارة إلى أن شعبية هؤلاء في اليمن تتجاوز شعبية هادي بعشرات المرات!!

لماذا لم تنقل وسيلة إعلامية خليجية واحدة صورة الحشود الضخمة التي خرجت لتأييد علي عبدالله صالح قبل شهر ونصف من الآن!؟ ألا يحق للجمهور الخليجي أن يعرف حقيقة الشعبية التي يتمتع بها خصمه!؟

صورة الجماهير الغفيرة التي خرجت تأييدا للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح بمناسبة مرور عام على بداية ’’عاصفة الحزم‘‘ في 26-3-2016، والصورة من جريدة الجارديان البريطانية

تعليق الواشنطن بوست على نفس التجمع ووصفه ’’بالضخم‘‘لل

ألا يساهم اختزال المشهد بين اللونين الأبيض والأسود في خلق جمهور ببغائي غبائي يردد ما يتلقاه من وسائل الإعلام دون تفكير أو تحليل موضوعي لحقيقة الأمور!؟

ألا تساهم هذه الرسائل الإعلامية المغلوطة في استدرار أموال التبرعات التي تنتهي في العادة بأيدي أمراء الحرب وشيوخ الطوائف الإرهابية!؟ ألا يساهم هذا التزييف والتحريف في اندفاع الشباب الخليجي للجهاد في سوريا نصرة لـ’’أهل السنة والجماعة‘‘ لينتهي بهم الحال جثث هامدة!؟



ألا يساهم كل هذا الجنون المفبرك في انتقال المعركة إلى بلداننا وشوارعنا ومناطقنا ومساجدنا وتهديد أمننا في أوطاننا!؟

ألم يحن الوقت ليستريح ’’الراعي‘‘ قليلاً ويكف عن العبث والتلاعب في مصير أغنامه ومقدرات أهل القرية!؟

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد!




[1] القصة لا زالت تتمتع بشعبية كبيرة في مختلف المجتمعات والحضارات، ويمكنكم مشاهدتها كرتونيا على هذا الرابط.
أيضا يمكنكم مشاهدتها في الدقيقة 49 من مسرحية ’’سندريلا‘‘ على هذا الرابط.
[2] تعاملت سلطنة عمان بترفع وفوقية مع هذه الأجندة الخليجية، فهي لا تخضع مصير الدولة والشعب للأمزجة المتقلبة والقرارات الارتجالية لحكام الدول الخليجية النفطية، ولهذا لم تنخرط السلطنة في أي من هذه النشاطات المغامراتية!!
[3] بعد لحظات من هذه الكلمات، قال القذافي موجها خطابه لدولة قطر الشقيقة: ’’بارك الله فيكم يا إخوتنا في قطر... هذه آخرتها!؟... هذا الماء والملح إللي بيننا وبينكم!؟... هذا الدم والأخوة إللي بينا وبينكم!؟... تزوروا في كل شيء علينا!؟... بدل ما تكونوا معانا تكونوا ضدنا!؟... لمصلحة من؟!... بالله لمصلحة من!؟... قد تندمون في يوم لا ينفع الندم!!... الذي بيته من الزجاج لا يرجم الناس بالحجارة!!‘‘.
[4] نيرون... هتلر... موسيليني... صدام حسين!!