لعنة جيل
. يُعتبر كتاب آوت-لايرز للكاتب الكبير مالكولم جلادويل من أكثر الكتب تأثيرا في مجال التحليل البديل ( كلمة أنا مخترعها ) , فالكتاب يتحدث عن الكثير من العوامل الغائبة في العادة عن الأغلبية عند تحليل عوامل النجاح و الابداع , و يركز الكاتب على عامل التوقيت و الدور الذي يلعبه في نسبة نجاح أو فشل أي شخص في عمل ما , فـ ميلاد الشخص خمس سنوات قبل أو بعد موعد ميلاده الحقيقي قد يؤثر بشكل كبير على نجاحه أو ابداعه في مجال ما
.
و قد استخدم الكاتب أحد الأمثلة للتدليل على نظريته من خلال استعراض أكبر الأسماء في عالم برامج الكمبيوتر – بيل جيتس و ربعه - و كيف أنهم ينتمون الى نفس الفئة العمرية تقريبا , فغالبيتهم من مواليد الأعوام ما بين 1953 و 1956 , و هذا ما جعلهم مصداقا للمثل القائل الشخص المناسب في المكان المناسب و في التوقيت المناسب , فلو أنهم وُلدوا قبل خمسة سنوات من موعد ميلادهم الأصلي لن تُتاح لهم الفرصة لاستخدام الكمبيوتر و الابداع في برمجته لعدم توفره , و لو أنهم وُلدوا بعد خمسة سنوات من موعد ميلادهم الأصلي لكانت اختراعاتهم متأخرة جدا في مجال البرمجة و لن تكون لها نفس القيمة و الأثر
.
.و عند العودة للكويت أجد أن نظرية التوقيت تنطبق على حالة الاحباط العامة التي يعاني منها الكثير من أبناء جيلي و الأجيال السابقة له , فالكويت كما تعلمون عاشت مرحلة النهضة المادية و الثقافية و السياسية و العمرانية بعد الاستقلال في بداية الستينات , و قد استمرت هذه النهضة عشرين سنة حتى نهاية السبعينات عندما بدأت عجلة التنمية تتجه للأسفل مع تعرض البلاد لعدة ضربات اقتصادية و سياسية و ثقافية مما جعلها تنحدر في كل شيء الى أن وصلنا الى ما نحن فيه الآن
.
و نظريتي هنا أن أجيال ما قبل التسعينات تعاني من لعنة الماضي الجميل التي لا يستطيعون التخلص منها أو استيعاب رحيلها بلا عودة , فأجيال مواليد العشرينات الى منتصف الثمانينات شهدوا أو عاصروا من عاش فترة انتقال الكويت من بلد صغير فقير يعيش أهله حياة هادئة صعبة الى الدخول في دائرة الاهتمام العالمي باكتشاف النفط و الاستقلال و من ثم النهضة و الانتعاش الاقتصادي و الثقافي الذي كوّن شخصية ابناء هذا الجيل , و هي شخصية معتزة بنفسها و فخورة بما حققته من انجازات و نقلة سريعة في كافة المجالات , لذلك نجد أبناء هذه الأجيال دائم التحسر على كويت الماضي أمام الواقع الحالي – التعيس – للبلاد
.
.فجيل العشرينات و الثلاثينات يفتخرون بالكفاح و التعب حتى حققوا الاستقلال و تأسيس الدولة , و جيل الأربعينات و الخمسينات يفتخرون بما حققوه من طفرة اقتصادية و ثقافية من خلال التعليم و الانفتاح على العالم , أما جيل الستينات فهو وجه الخير الذي عاش أبناءه أفضل فترات الكوت من الاستقلال الى الازدهار في كافة المجالات الاقتصادية و الثقافية و الفنية و الرياضية , أما جيل السبعينات و الثمانينات فلا زالوا يفتخرون بذكريات الطفولة المُزينة بأهداف الدخيل و مسرحيات الثنائي عبدالحسين و سعد
.
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا , هل لكل ما سبق نصيب في ذاكرة جيل التسعينات و بداية الألفية الثانية ؟ هل لكويت النهضة علاقة بـ جيل ما بعد الغزو ؟ هل سيتحسر هذا الجيل على أهداف الدخيل و الوصول الى كأس العالم الذي لم يعاصروه؟ و هل ستتألم قلوبهم على كويت الانفتاح و هُم من فتحوا أعينهم على مطويات عذاب القبر و الانتقام من الغرب الكافر؟
.
. أنا شخصيا أعتقد بأن كل جيل ابن لأحداث مرحلته و انعكاساتها , فجيلنا كثير التحسر لأنه لسوء – أو حُسن – الحظ عاصر تبعات ذروة النهضة في الكويت من الستينات الى نهاية السبعينات , أما أجيال ما بعد الغزو فهم أبناء لكويت مختلفة , كويت الفساد و التقهقر , كويت باهته ليس لها لون و لا رائحة , تتغطى بالنقاب خجلا من انكشاف قبحها و فشلها عند مقارنة تخلفها بنهضة دول الجوار , و لحُسن – أو سوء – الحظ فلن يتحسر هذا الجيل على هذه الكويت , فهو وجدها في القاع و أي تقدم بسيط سيكون ايجابي جدا بالنسبة له
.
لذلك فإن نصيحتي لأبناء جيلي بالتخفيف من التحسر و التذمر و مقارنة ما نعيشه الآن بالماضي الجميل فالمسألة كانت مسألة توقيت فقط , و لو تأخر مولدنا عشرين سنة لما وجدنا ما نتحسر عليه غير المركز القبل الأخير في كأس الخليج و مسلسلات نفخ الخدود و الشفايف , الحمدلله على كل حال














