
منذ بداية دخول الأنترنت إلى الكويت في الأعوام 94 95 و غرف الدردشة أو الثرثرة أو مواقع التعارف تلعب دورا كبيرا في سرعة إنتشار و تموضع الأنترنت في حياة الكثير منا , أتذكر جيدا شعبية موقع الـ آي آر سي حيث كنا نقضي ساعات و ليالي في اللهو البريء و الغير بريء أحيانا , نتعرف على فلان و علان , نكشف للآخرين عن أسرارنا و قصص حياتنا , كثير منها يخضع إلى خلطة من بهارات المبالغة و تتبيلات البطولة و هو ما يدخلها غالبا تحت مظلة الكذب الأبيض أو العلم الذي لا ينفع و الجهل الذي لا يضر
بطبيعة الحال ساهم دخول أغلب المشاركين في غرف الدردشة تحت أسماء مضحكة و مستعارة في رواج هذه القصص الخيالية , فقد أتاحت الأسماء المستعارة لـ سبيكة الداثرة لتعيش حياة صبا الفتاة اللعوب , و أتاحت أيضا لـ علي موظف الأرشيف بسرد الأساطير عن مغامراته السندبادية في روما و ميلان , أنا شخصيا كنت من ضمن هؤلاء المتنكرين و تعرفت على الكثيرين منهم , كانت الصدمة هي العامل المشترك في أغلب هذه العلاقات حيث إكتشفت أن "دلوعة" عبارة عن عيمي مشوعر و "فراري 445" يسوق متسوبيشي
المثير هنا هو أن برامج او مواقع الدردشة بدأت في التطور و النضوج مع تطور الأنترنت , هذا ما ساهم أيضا في نضوج مرتاديها , و مع بروز المدونات في 2003 بدأ المُدردشون بالإنتقال تدريجيا إلى عالم المدونات , إلا أن البروز في عالم المدونات لم يعد مقرونا بالأسماء المستعارة المغرية كـ دلوعة و فراولة ! بل هو يعتمد بشكل أساسي على القدرة الفكرية و الأسلوب التعبيري للمدون , و من هنا بدأ المدونون بالكشف عن هوياتهم الحقيقية تدريجيا , خصوصا و أن عروض الظهور على القنوات الفضائية و الندوات السياسية بدأت تنهال عليهم , فكيف يظهرعلى الشاشة أو الندوة بهويته المجهولة
أيضا ساهمت شعبية موقع فيس بوك بتغيير ثقافة الهويات المجهولة , و تحولت الموضة إلى الهويات المعلنة , بل الهويات المُفرطة بالعلانية سواء من ناحية العلاقات و غيرها , فبدأنا نرى فلان حاط بوسة لفلانة و فلانة حاطة صورتها المشخلعة بالمكان الفلاني , الغريب هنا أن أصحاب الهويات المجهولة فقدوا سحرهم في الـ فيس بوك و أصبح يُنظر لهم كـ "هيلق" بالمعنى المحلي للكلمة , بالرغم من ذلك , حافظ بعض المتميزين على هوياتهم المجهولة , ربما يكون أبرزهم في تويتر أوباما العربي و بو جيج , أقول أن هؤلاء تمكنوا من تحقيق النجاح بالرغم من حاجز الهوية المجهولة
المشكلة هنا أن علاقتي بهذين جيدة جدا على المستوى "التويتري" , و بسبب هويتي المعلنة و المعروفة للجميع تأتيني الكثير من الأسئلة سواء في التويتر أو الجلسات العائلية عن هوياتهم , هذا يريد أن يعرف سِنهم و ذاك يريد أن يعرف مذهبهم و عائلاتهم و غيرها من المعلومات التي أجد صعوبة في التملص منها , فالأريحية التي نتحدث بها في تويتر توحي بأننا على علاقة شخصية وطيدة خارجه , لكن هذا غير صحيح , فأنا لا أعرف هوية أوباما العربي و بو جيج الحقيقية
لا أنكر هنا قيامي ببعض المحاولات البسيطة لمعرفة هوية هذا أو ذاك , لكني في نهاية الأمر وصلت إلى قناعة , الإنسان في نهاية الأمر كائن كيميائي , أي أنه يتفاعل بطريقة كيميائية مع ظروف حياته , تجده مبتسما حينا و بعد سماع خبر سيء ينقلب مزاجه و يصبح عصبيا أو يرى أمامه موقف حزين فيدخل في نوبة لا نهائية من البكاء
لكل منا فلسفته الخاصة في الوجه أو الحالة الكيميائية التي يريد أن يتعرف عليه الناس من خلالها , و من حق كل إنسان إختيار وجهه المُعلن أمام الآخرين و إخفاء وجوهه الأخرى التي لا يريد أن يعرفونها , ربما يكون ذلك من صالحهم رغماً عن بلاغة الشف و اللقافة , فمن منا يريد رؤية الوجه المظلم للقمر ؟ من منا يريد رؤية المريض في قمة آلامه ؟ أو التعامل مع الكوميديان في أوج غضبه ؟
لذلك , أعتقد أن من الحكمة ترك الآخرين و شأنهم , و إعطاءهم مساحة كافية لممارسة حقهم في إختيار الوجه الذي يريدوننا أن نراه منهم , و إخفاء ما لا يريدون لنا معرفته من شخصياتهم , و هذا ما يجعلني أعتذر رسميا للأخ بو جيج عن الصورة التي نشرتها في الأمس و إدعيت من خلالها – مازحاً – انها صورته , فالصورة كانت لي و لأحد الأصدقاء الذي إنتهت علاقته مع الأنترنت قبل سقوط صدام , يعني لا يعرف مدونات و لا فيس بوك و لا تويتر







