Wednesday, March 25, 2009

هكذا تكلم النوخذة - مال

كان الوقت قد اقترب الى منتصف الليل , و بدأت الرياح بمداعبة أهل الجزيرة , مذكرة إياهم بليلة البارحة , وصل النوخذة الى الحفرة الخامسة فوجد الشاب و قد انتهي بالفعل من حفر حفرة عميقة

توقف عن الحفر يا صديقي , فلا أتوقع أن يكون الكنز على عمق أبعد من هذه الحفرة

تباًّ , ترى من منا سيجده ؟

لا أعرف , فلم تظهر بوادره على أي منهم حتى الآن , ما اسمك؟
.
اسمي باسل , هل تستطيع أن تقيِّم القيمة الاجمالية للكنز في وقتنا الحاضر؟
.
لست خبيرا اقتصاديا و لكن لنفكر معا , لقد كان مردخاي أحد كبار تجار مملكة اسرائيل القديمة , و كانت مملكة اسرائيل من أغنى المدن في العالم القديم بعد حكم داود و سليمان الحكيم , فقد عقد سليمان تحالفات سياسية مع الكثير من الدول المجاورة عن طريق التزاوج معهم , و قد كان يحظى بحماية المصريين , الا أن ابنه لم يستطع الحفاظ على هذه الثروة , فقد انشقت أغلب القبائل الاسرائلية عنه و كونت مملكة يهودا , و من هنا بدأت الانقسامات الداخلية و الأطماع الخارجية بالتزايد , و هذا ما أدى الى النتيجة الحتمية , و هي غزو البابليين و حرقهم اسرائيل عن بكرة أبيها
.
و قد كان مردخاي يتمتع بذكاء شديد , مما جعله يشعر مبكرا بصدق تنبؤات النبي إرميا بالدمار الذي سيلحق باسرائيل و هذا ما جعله يعد العدة للهروب بأمواله مبكرا , لذلك سعى مردخاي الى التخلص من ارتباطاته التجارية في اسرائيل و بيع كل ما يملك من أصول غير سائلة , و قد صدق عليه القول , أخذ كل ما خف وزنه و زادت قيمته , و استطاع أن يخرج من الأرض المنكوبة برفقة عائلته القريبة و قافلة من العبيد قبل أن تحل الكارثة
.
لقد بدأ رحلته شمالا الى صور في لبنان و منها انتقل الى دمشق و منها الى آرام لينتقل منها الى آشور و من ثم يسلك الطريق المحاذي لنهر دجلة الذي اوصله جنوبا الى ارض الكويت اليوم , و في الحقيقة أنا لم أتوقع سلوكه هذا الطريق الخطر , فالمفروض أنه يهرب بعيدا عن البابليين عبر المتوسط أو باتجاه أفريقيا حتى يكون أبعد ما يكون عن متناول أيديهم , و لهذا قضيت أغلب فترة البحث في تلك المناطق , الا أن مردخاي كان أذكى مني و من رجال نبوخذنصر , فقد تمكن من المرور بمحاذات سلطاتهم بدون أن يتمكنوا من التعرف والقبض عليه , و هذا ما جعله يأتي الى هذه الجزيرة لدفن جزء كبير من ثروته فيها
.
و ما الذي حدث بعد ذلك ؟ سأل باسل
.
لم يذكره التاريخ بعد ذلك , و أنا أعتقد بأنه نجح في تغيير هويته كما فعل غيره من اليهود في تلك الحقبة خشية من التعذيب و التنكيل و التصفية العنصرية , فكرت كثيرا في سبب عدم عودته للكنز و لكني أعتقد أنه مات بعد ذلك بشكل أو بآخر بدون أن يخبر أحد عن مكان كنزه , هه لم تأتي سمعة حرص اليهود على المال صدفة يا صديقي
.
ليس اليهود فقط هم من يحبون المال , كنت اتمنى أن يكون الكنز من نصيبي , لم تجبني يا نوخذة , كم تتوقع ان تكون قيمة الكنز في يومنا هذا ؟
.
كما قلت لك , معلوماتي ليست دقيقة في هذا المجال , الا أن قيمته المادية و التاريخية قد تصل الى عشرات الملايين ان لم يكن المئات , كل هذا يعتمد على الحالة التي سنجده فيها و كيف سنحتفظ بما نريد و كيف سنبيع ما نقرر بيعه
.
رائع رائع يا نوخذة , عاش مردخاي عاش مردخاي , كلمني أكثر عن المال يا نوخذة ؟ كيف سنبيع الكنز و على من ؟ سأل باسل منتشيا
.
واضح انك تحب المال أكثر من اليهود يا باسل , ابتسم النوخذة
.
جدا , جدا , ارجوك لا تدعيّ انك لا تحبه ؟
.
احبه و لا احبه , قضيت نصف عمري في البحث عنه , و سأقضي نصف عمري الآخر في حمايته , ثم سأموت كما مات صاحبنا مردخاي تاركا ماله في بطن الرمال , أو في بطون من لم يتعب عليه يوما , و سيقوم بمسح عرقي بمنديل متعته , هذا هو المال يا باسل
.
لا أفهم ما تقوله , و لكنك لا تبدو لي شغوفا به , فلماذا أضعت حياتك في البحث عنه ؟
.
المال و البنون زينة الحياة الدنيا , و أنا ليس لي بنون , فلم يبقى أمامي الا المال من زينة حياة الدنيا , في الحقيقة أنا لم أعد أعلم ما الذي يدفعني للبحث عن المال , ربما كنت أحد ضحايا غسيل المخ الرأسمالي , فكل ما حولك يدفعك لجمع المال , فأغلب المشاكل التي تراها و انت صغير تدور حول موضوع المال , فوالدك لم يحضر لك اللعبة التي طلبتها بسبب المال , و والدتك غاضبة من والدك بسبب عدم موافقته على سفرتها الصيفية بسبب المال , بالطبع تكرر هذه القصص و المشاهد تجعلك تعرف مبكرا أهمية المال – و كثرته – لسعادتك في حياتك المستقبلية
.
و بعد وصولك الى سن النضوج تبدأ بملاحظة اختلاف معاملة و نظرة الناس للأغنياء عن غيرهم , و يترسخ في ذهنك مفهوم الشخص او العائلة ال ﭬفي آي بي , فكيف تهرب من فخ حب المال و جمعه ؟ ألا تلاحظ اهتمام وسائل الاعلام بكل ما يتعلق بحياة الأغنياء , فوسائل الاعلام و المجتمع يهدر الكثير من الوقت و الطاقات في الحديث عن حياة الأغنياء , اين يسكنون ؟ ماذا يأكلون ؟ أين يتسوقون ؟ كم يربحون ؟ ثم كم يخسرون ؟ بل أن وسائل الاعلام بدأت هذه الأيام بترويج فكرة المسابقات المالية عبر ترويج قائمة أغنياء العالم , و كأنهم يريدون اقناعنا بأننا نعيش في مسابقة من الأغنى ! و أنك ان لم تشترك في هذه المسابقة فأنت فاشل و خارج دائرة الاهتمام
.
أقول يا باسل ربما , ربما نجح المال في تنصيب نفسه المعيار الأول و الأهم للنجاح , هذا ما تعلمناه كشعب و عائلة و أفراد , و قليل من ينجح في الهروب من فخ حب المال , و الأقل من ينجح في الهروب من فخ حب المال و لا يسقط في فخ حب شيء آخر , أسوأ من المال
.
المال يا باسل هو الأمان , هو النجاح , هو العمل , هو تقدير الناس لك , و هذا ليس سيء , فالناس يقدرون كل ما ظاهره يلمع , و يعجزون عن اكتشاف لمعان الباطن , لكني أحذرك يا باسل من استعمال المال في تقييمك لنفسك , و قياس مدى نجاحك , فكما قلت لك , ستقضي نصف عمرك في جمعه , و النصف الآخر في الخوف عليه , ثم تموت و يسعد به من يأتي بعدك
.
هكذا تكلم النوخذة , ثم انصرف الى الحفرة السادسة
.
يتبع

6 comments:

ماكو أمل said...

من كان يملك درهمين تعلمت
شفتاه أنواع الكلام فقالا
وتقدم الإخوان فاستمعوا له ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي يزهو بها لوجدته في الناس أسوأ حالا
إن الغني إذا تكلم بالخطا قالوا صدقت وما نطقت محالا
أما الفقير إذا تكلم صادقاً
قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا
إن الدراهم في المواطن كلها تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة
وهي السلاح لمن اراد قتالا


_____

لن نشارككم الأمل إلا بشروط

أجيبوني قبل أن تفقدوني

لماذا تهاجمون مرزوق الغانم وصالح الملا

مدونتي الجديدة .. ماكو أمل

www.makoamal.blogspot.com

bo bader said...

سبحان الله !!

الانسان يقضي عمره كله يدور على الذهب ، والذهب موجود في داخله وهو ما يدري .

تحياتي

بو محمد said...

يا بو سلمى يا بو سلمى
معالجات لأكثر الجوانب تأثيرا على مسيرة حياتنا الإجتماعية
فكرة جديدة و طرح لم ينقص ما سبقه صلابة و رزانة
أقول
سيادة النوعية هذه من السلوك أو الفكر قد يكون بسبب القطع المتعمد أو غير المتعمد لسلسلة زينة الحياة الدنيا التي يقع فيها الناس، و أقصد هنا (الباقيات الصاحات) التي هي "وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" إذا السر هنا يقع في مدى معرفة الإنسان بماهية الباقيات الصالحات و طبيعة الثواب و حقيقة الأمل و من ثم يقرر الإنسان مع أي من صورة من صور الحياة الدنيا يربط نفسه

فعلا، السلوك الحاتي عملية معقدة غن لم تكن مبنية على فطنة و حذر شديدين

روعة يا بو سلمى، تخلي الواحد ينغمس بالتفكير و التحليل و المعالجة، و هذا أمر أشكرك عليه

أثني على تعليق أخي بو بدر

أحسنت يا بوسلمى

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

Hashemy said...

مطقوق صراحه وبعد كل حلقه يزيد ابداعك وسلسلة هكذا تكلم النوخذه يبيلها كتاب موفق فيها

وفي انتظار المزيد

azoori said...

كل حفره احلى من الثاني
وفعلا البحث عن المال لا يتوقف مها جمع منه

وفعلا سلسله رائعه
واعتقد انه كتيب رائع

أحمد الحيدر said...

هذا الكنز ما يوكل خبز .. الناس هاليومين تبي الذهب اللي يلمع .. او حتى الأسود مستعدين يحفرون له الصخر ..

آخ يا أخوي مطقوق موضوعاتك تعور القلب ..