Wednesday, January 27, 2010

مجلس الأمة , فساد رقابي و إفساد تشريعي - 6

لم أكن في حقيقة الأمر أود أن تطول السلسلة الى هذا الحد , لكني أحسست بالخجل من ترك الموضوع دون طرح بعض الاجتهادات كحلول مقترحة للمشكلة , لذلك سنحتاج في البداية الى عرض المشكلة و من ثم تحديد الأطراف المعنية بها
.
بطبيعة الحال لا تُشكل كل القروض مشكلة , لكن المشكلة في القروض التي يتعاقد فيها المواطن مع البنك بـ شروط معينة , و من ثم يتجاوز أحد الطرفان هذه الشروط كأن يتخلف العميل عن الدفع أو أن يبالغ البنك في تغريم العميل و التلاعب في الفائدة مما ينتج عنه الاحتكام للقضاء و فرض العقوبة على أحدهما
..
و عندما تزداد أعداد هذه الحالات فمن الطبيعي أن تتحرك الحكومة الرشيدة و المجلس الموقر لإيجاد حلول للمشكلة , لكن المؤسف في الأمر أن الموقر و الرشيدة في وادي , و العالم كله في وادي آخر , فالحلول المطروحة كانت قص و لزق و تبدأ من منتصف الطريق ثم تتوقف قبل أن تنهيه , أما رؤيتي الشخصية للحلول فهي تنحصر في أربع أطراف
.
الطرف الأول , المواطن المقترض
.

قلنا في السابق بأن الاقتراض بحد ذاته لا يعيب أحد , لكن العيب في سبب الإقتراض ؟ و ما هي المؤشرات التي ترسلها هذه الأسباب ؟
.
من خلال خبرتي السابقة في البنوك أستطيع أن أصدر حكم عام بأن الكثير من المقترضين يقترضون لأسباب كمالية ليست ضرورية , و ما عليك الا أن تزور أحد معارض سيارات المرسيدس و البي أم دبليو و البورش لتتضح أمامك ملامح شخصية المواطن الكويتي الإستهلاكية الغائبة تماما عن ثقافة الإدخار , فالكويتي يصرف 1000 في حال كان دخله 800 , و يصرف 2000 في حال كان دخله 1500 , ايضا يبالغ الكثير من المواطنين في تقديس المظاهر و عبادة الماركات , و هذا ما جعل مجتمعنا يُقيّم الإنسان على ما يلبس و ما يركب و أين يسافر , متجاهلا في نفس الوقت القيمة الفكرية و الإنسانية و الأخلاقية لهذا الشخص
.
و لهذا أعتقد بأن بداية الحل تكمن في محاربة و تحجيم ثقافة الإستهلاك و تقديس المظاهر عند المواطنين و إحلالها بثقافة جديدة هي ثقافة الإدخار و تقليل الإهتمام بالمظاهر الكمالية من خلال التركيز على المحتوى و الجوهر , و هذه الثقافة قائمة على صرف – استهلاك – 80% من الدخل الشهري و إدخار 20% لوقت الحاجة , و من المهم على الدولة أن تحرص على زرع هذه البذرة في مواطنيها منذ الصغر حتى تكون عادة أساسية لديهم في الكبر
.
أيضا علينا كـ مجتمع التوقف عن تقييم الناس حسب المظاهر و التركيز على إظهار التقدير و الإحترام لأصحاب الشهادات العليا و الإنجازات العملية ممن كافح و اجتهد , فهذا السلوك سـ يرسخ في أذهان أبناءنا الاهتمام في التحصيل العلمي و الثقافي بديلا عن الاهتمام في الشحاطة و الفشخرة
.
و لا يخفى على أحد أهمية إعادة برمجة المواطن على الإحساس بالمسؤولية الكاملة اتجاه تصرفاته و هذا الدور يتشارك فيه الجميع من حكومة و مجلس و مواطنين
.
الطرف الثاني , البنك المُقرض
.

من يقرأ هذه السلسلة سيعتقد بأني مدافع شرس عن البنوك التقليدية , لكن الواقع عكس ذلك تماما , فالحقيقة التي لا أتحمس للإفصاح عنها هي أنني أُفضل نظام تثبيت الفائدة الذي تمارسه البنوك " الإسلامية " على نظام الفائدة المتحركة بغض النظر عن إعتراضي على التسمية , فجميع البنوك تملك أداة غير مُفعلة و هي إدارة المخاطر التي تعمل على دراسة مسارات الإقتصاد العالمي و من ثم تكوين فكرة عامة عن تحركات أسعار الخصم و الفوائد المستقبلية للمرحلة القادمة
.
أما الطرف الثاني من معاملة الإقتراض فهو في الغالب إنسان ذو ثقافة مالية متواضعة و بالكاد يدير شؤونه الشخصية , لذلك هو غير قادر على حساب أو توقع اتجاهات أسعار الفائدة المستقبلية , و من هنا نجده يبرمج نفسه على المعطيات الحالية للقرض و لا يستطيع التعامل بـ مرونة مع تغيرات الفائدة المستقبلية , هذا ما يجعلني أتعاطف مع العميل و أقترح على البنوك تبني نظام جديد يتم من خلاله تحديد مساحة تحرك الفائدة على القروض الإستهلاكية
.
على سبيل المثال لو أن العميل اتفق مع البنك على قرض فائدته 6% , سيتفق الطرفان على أن هذه الفائدة تتحرك في حيّز 2% هبوطا و نزولا , فالفائدة القصوى ارتفاعا 8% , و الفائدة الأدنى نزولا 4% , و بذلك يستطيع العميل معرفة ما له و ما عليه فلا ينصدم أو يشعر بالتعرض للنصب و الإحتيال
.
أيضا على البنوك مراعاة الجانب الأخلاقي في تسويق سلعة القروض , فالمفروض أن يضع كل بنك على بابه تحذير صحي للعميل من عواقب الإدمان على القروض على غرار التحذير الموضوع على عُلب السجائر , نحن لا نعترض على قيام البنوك بالإقراض لكننا نعترض على استخدام أساليب التسويق الحديثة في إغراء العميل كـ وضع جوائز و سحوبات تساهم في سحب العميل لفخ الإقتراض و هو في غنى عنه
.
الطرف الثالث , الجهات الحكومية المُشرفة على هذه المعاملة
.
كان بـ ودي أن أمتدح الرشيدة و توابعها على أي شيء , لكن للأسف لم أجد ما يستحق المدح و الإشادة , فـ رشيدة نايمة في العسل كالعادة , و هي للأسف متخاذلة في تطوير أدواتها الرقابية و التشريعية على المؤسسات المالية بشكل عام و البنوك بشكل خاص , بل أن الأسوأ من كل ما سبق هو حرص رشيدة على عدم معاقبة العابثين في مدخرات الناس و أموالهم من شركات استثمارية و تمويلية
.
الحكومة أيضا راضية بتمثيل دور الكومبارس على الساحة الإقتصادية من خلال تكنيك ردود الأفعال و عدم المبادرة الى حل المشاكل قبل وقوعها , فلو لم يتكلم النواب عن القروض لما إلتفتت الحكومة لها , و لو لم يتكلم النواب عن البيئة لما إهتمت الحكومة بها , و لو لم يتكلم النواب التعليم لـ بقي الحال على ما هو عليه الى الأبد
.
لن أكون متفائلا هنا بلا سبب مقنع يدعو للتفاؤل الا أنني أتمنى أن تساهم المشاكل و القوانين الجديدة في تحسين الوضع , فالحكومة أمام خطة تنموية – خرطي – ستكلف الدولة أموالا طائلة و ستحتاج الحكومة لتفعيل أدواتها الرقابية لإنجاز هذه الخطة , أيضا سيساهم اقرار قانون لجنة سوق المال في تحسين قوانين التعامل بالأوراق المالية , بالطبع هذه مجرد تمنيات و لا نتوقع الكثير من رشيدة
.
الطرف الرابع , مجلس الأمة
.

مجلسنا الموقر لا يختلف كثيرا عن رشيدة , فهو أيضا ماشي على وصفة ردود الأفعال مع اضافة عنصر الأكشن و المفرقعات النارية لها , فالموقر شاغل الديرة في تحديد طبيعة الملائكة الذين يحق لهم دخول الجنة و كاشت في المواضيع المهمة المتعلقة بأرواح الناس
.
و الطامة الكبرى تحل عندما يقرر الموقر حل المشاكل بـ اسلوب رعاة الأغنام و شريطية الحراج المعتاد , حيث أن أعضاء الموقر مستعدين لنسف كل قوانين نيوتن من أجل عين أصوات الناخبين التعساء , فالأرض تصبح مسطحة , و الشمس لا تدور حول نفسها , و ألوان الطيف السبعة ليس لها وجود , لذلك أنا لا أتوقع الأفضل من الموقر , فـ تصويت أغلبية أعضاءه على قانون اسقاط فوائد القروض كانت كفيلة بإسقاط وقاره من عيني
.
في الختام أكرر ما بدأت به هذه السلسلة و هو أني أشعر بالأسى و الأسف على بلدي , وطني الذي أعلم أنه يستحق الأفضل , حكومة أفضل , مجلس أفضل , و الأهم من الاثنان شعب أفضل , فمراحل تطور قضية القروض تدق نواقيس الخطر أمام كل متفكر شريف يحمل هموم هذا الوطن و يتطلع لمستقبل أفضل لأبناء هذه الأرض , لا أخفي عليكم أن الأسابيع الماضية شهدت عدة نقاشات مع الأصدقاء حول موضوع الهجرة و الرحيل عن الكويت , فالوضع العام في البلد أصبح يستنزف طاقاتنا الفكرية و العملية في مواضيع تافهة لا يخرج منها الإنسان بفائدة , ان الوضع العام في الكويت يخيفني , يُخيفني على نفسي , يُخيفني من التحول الى إنسان سيء للإنسجام مع أهل هذا البلد
.
اللهم إني بلغت , اللهم فإشهد
.
انتهى

9 comments:

Hamad The 5th said...

جهة اخرى سيدي الفاضل وهي شركة نفط الكويت
جزء كبير من مشكلة القروض هو الحصول على مسكن مناسب والاسعار لن تستقر او تنزل حتى ترفع نفط الكويت يدها عن عدد كبير من اراضي الدولة ليتم تاهيلها كمناطق سكنية
وهذا ما يرجعني الى مقالاتك الاولى في السلسلة عن العرض والطلب

Hamoor said...

هدي يبا هدي شهالتشائم. المشاكل موجودة بكل مكان بالعالم , و المشاكل الي بالدول الثانية اكبر واكثر بوايد. واذا انت تفكر بالهجرة, فانا من الحين اقولك, اتحداك اذا لقيت مكان تقدر تعيش فيه احسن من ديرتك. انت لو تلاحظ, عدد الكويتيين الي عايشين برا ما يتجاوز الاصابع, وتلاقيهم ماسكين مناصب دبلوماسية بدول ثانية فيكونون مضطرين يعيشون برا. ترى هذه نعمة مو وايد ناس حاسين فيها, انك مو متضر تتغرب واتعيش بعيد عن ديرتك و اهلك. شوف الناس من الدول الثانية الي متغربين ومنتشرين بباجي دول العالم علشان يحصلون فرص عمل او يوفرون عيشة كريمة حق عيالهم, هذيلة الي ممكن يقولولك شنو معنى انك نعيش برا ديرتك او وطنك. فالحمد لله والف الحمد لله انك مو متضظر وانشالله ما تتضطر انك حتى تفكر بالهجرة. لان هذا مو حل.

مَـــــعْــــمَــــعَـــــه said...

الله يعطيك العافية كفيت ووفيت

اسمي أحمد .. لو مخانتنيش الذاكره !! said...

السلام عليكم

ما شاء الله .. ايه الأسلوب الراقي ده؟ .. استمتعت فعلا و أنا بقرأ كلامك ..

أول مره ازور مدونتك بس مش الأخيره ان شاء الله

يا ريت تشرفني على مدونتي و تضع تعليقك

ra7alaat.blogspot.com

شكرا لوقتك

someone_q8 said...

السلام عليكم
الله يعطيك العافية بوسلمى استفدت من هالسلسلة بعض الامور اللي كنت اجهلها , وبالنسبة للإقتراحات خصوصا اقتراح انخفاض الفائدة وارتفاعها بنسبة 2% فقد تم اقرارها من البنك المركزي قبل 6 اشهر وقاعد اتطبقها كل البنوك حاليا و عرفت هالشيء لما كنت بشتري بيت وقالولي عن هالنظام
اتمنى ان المواطن يعي ان مو كل شيء لازم يبيله قرض

مـغـاتيــــــــــــر said...

كيف تحارب ثقافة الاستهلاك ؟

و الفقرة الأخيرة تضيق الخلق

Jeragh said...

يعطيك العافيه و صح لسانك
لكن للأسف الشديد ضيقت خلقي بالتحليل الواقعي و التفصيلي من جهه و المتشائم من جهه أخرى. بإختصار أقولك يا مطقــوق يا الغالي, كلامك ولو إنه صحيـح لكن عنصر التشائم و عدم الثقه برشيده و موقر أدى إلى وصولك إلى نتيجه غير مرضيه و هي تغيير رشيده بـ حكيمه (مع العلم إنها ممكن تفاجئنا و تطلع إخت رشيده "غبيه") و تغيير موقر بـ محنَك (بس هم خوفك يفاجئنا و يطلع "مبـقــَــر).
أنا أتفق وياك على محاولة تثقيف المجتمع لأنه هو القاعده الأساسيه لهذا الوطن الغالي. مع العلم ان هذه الخطوه تحتاج إلى الكثير من الجهد و الوقت وعلى مختلف الأصعده و النواحي العمليه و الطبقات الإجتماعيه.

تعليق على تعليق:
يا الهامور ترى ما وصلنا هالمواصيل إلا طريقة تفكيرك و المقارنه الدائمه مع دول الكوارث و المشاكل الإقتصاديه و السياسيه. الحمدالله والشكر على كل حال, بس متى تتعلمون تطالعون فوق بدال ما تطالعون تحت. و تعقيبا على كلامك (مثل ما في دول "أتعس" منا في وايد أحسن منا من الممكن المـقارنه فيهم) و الأفضل من هذا كله هو عدم المقارنه بأحد بل دراسة ما عندنا من موارد و طاقات و التطلع إلى أعلى مركز للكويت مع وجــوب مشاركة كل من رشــيده و مــوَقر مشاركه فـعـَاله و نـزيهه.

AyyA said...

كفيت و وفيت
الأن بالنسبة لي علي الأقل الصورة أوضح
شكرا مطقوق

Flona said...

شكرا جزيلا على المجهود
استمتعت كثيرا في قراءة هذة السلسله
و استفدت كثيرا طبعا
فكرة الهجرة و تأمين "أرض" افضل لأبنائي الذين لم يتكونوا بعد تلازمني بشكل دائم
لدرجة إني بديت احسد من ولد من أم بريطانية او امريكة, فهم يملكون هذة الجناسي, و الذي اعتبرة بويصله تأمين

الله يحفظج يا بلادي