Tuesday, June 30, 2015

الدولة تزرع.. و"داعش" تحصد !!





تتميز الكائنات الحية عن الجمادات بالسلوكيات "الغريزية"، وهي السلوكيات التي يقوم بها الكائن الحي شعوريا أو لا شعوريا بدافع داخلي شبه إجباري، ويكون الهدف الأساسي منها الحفاظ على "النوع"[1].

ويأتي الحفاظ على النوع من خلال استراتيجيات الابتعاد عن الخطر أو "الخوف"، والسعي نحو تعزيز الوجود أو "الطمع"، وهو ما نسميه باختصار "غريزة البقاء" (Survival Instinct)، التي أطَّرها العالم الإنجليزي الشهير تشارلز داروين في نظرية "البقاء للأفضل" (Survival for the Fittest).

ولو أمعنا النظر في ما يجري من حولنا، سنجد أن أغلب تصرفاتنا وتصرفات الكائنات الحية تدور في هذا الفلك، فعندما يتوجه نبات "عبّاد الشمس" نحو الشمس فهو يعزز من وجوده، وعندما تُغير "الحرباء" لونها فهي تبتعد عن الخطر، وعندما تُخزِّن بعض الحيوانات طعامها لأشهر طويلة فهي تعزز من وجودها، وعندما تُطور بعض الأسماك والثعابين والضفادع والعقارب سُمومها فهي تقاوم الخطر.

هذا بالنسبة للكائنات الدُنيا، وبالانتقال إلى الكائنات العُليا، نجد أنها أكثر قدرة على تكييف أو "تطويع" بيئتها المحيطة للابتعاد عن الخطر، والحفاظ على النوع، فنجد أن الإنسان تمكن من بناء البيوت لاتقاء أخطار الطبيعة، واستخدام الأسلحة والآلات للصيد والحماية، واستخلاص الأمصال والأدوية للعلاج ومقاومة الأمراض، وتتطور هذه الآليات "البقائية" إلى تكوين المجتمعات وتأسيس الدول وتنظيم الحياة الأسرية ووضع القوانين، ولا أبالغ إن قلت بأن حتى المعتقدات الدينية والفلسفية والعلمية جاءت من أجل هذا الهدف الأساسي، وهو الحفاظ على النوع والابتعاد عن الخطر.

وبذلك يكون التنافس بين الكائنات الحية في مجمله هو تنافس على "البقاء"، فالكائنات "الذكية" تتمكن من "البقاء"، والكائنات الأقل ذكاء أو "الغبية" يكون مصيرها الانقراض والفناء، وفرضت قوانين الصراع على هذا الكوكب بقاء الكائنات الذكية على حساب الكائنات الأقل ذكاء، بل أن العناصر الذكية داخل "النوع" أو "السلالة" نفسها تعزز من بقائها على حساب العناصر الغبية أو الأقل ذكاء.



اضطررت لسرد هذه المقدمة المُملة، كي أتمكن من تفسير المشاهد التي خزَّنها عقلي خلال الأيام الماضية، فما الذي يدفع رجل ثمانيني مهموم[2] إلى ساحة الموت بعد دقائق من وقوع الانفجار سوى الدافع الغريزي في "البقاء" والحفاظ على النوع (أو الدولة في هذه الحالة) !؟

وما الذي يجعل مجتمع مثخن بالتشرذم وكل أدبيات التفكك إلى الارتداد فجأة لـ يُسطِّر دروسا في اللُحمة الوطنية والتماسك الصلب سوى الدافع الغريزي للابتعاد عن "الخطر" !؟

وما الذي دفع أساطين خطاب "الكراهية" والتكفير التحريضي إلى التبرؤ من منتجاتهم الفكرية[3] والتحول إلى حمَامات سلام وزنابق تنشر عطور الأخوة واحترام الآخر سوى غريزة "البقاء" والحفاظ على النوع !؟

مشاهد وعبارات وتنازلات وشعارات وزُهديات ومثاليات لم تكن لتظهر لولا هول الفاجعة، وحجم الكارثة التي راح ضحيتها ما مجموعه 250 شخصا بين قتيل (شهيد) وجريح، مصيبة وضعتنا وجها لوجه أمام "داعش" و"التكفير" و"القتل على الهوية" الذي كنا نراه ونسمع به في الدول الأخرى المحيطة والبعيدة.

وبالتالي ظهرت سلوكياتنا الغريزية في الحاجة إلى "البقاء" على السطح، وجعلتنا نتصرف بأقصى درجات التسامح والود مع شركاؤنا في الوطن، فلا أحد منا يريد أن يرى نفسه بلا "وطن"، أو يعيش في دولة "فاشلة"[4]، خصوصاً وأن نسبة كبيرة منا عاصرت الاحتلال العراقي وتعرف جيداً معنى الدولة "الفاشلة" و"التشرد" في المنافي، وهي لا تريد العودة إلى تلك الأوضاع البائسة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل سنتصرف كـ كائنات بسيطة تستمر آلياتها في الابتعاد عن "الخطر" لفترة قصيرة، كما تفعل الحرباء التي تُغير لونها عند اقتراب "الخطر"، ثم تعود إلى لونها الطبيعي بعد تيقنها من زواله !؟

أم أننا سنتصرف كـ كائنات ذكية، تذوقت مرارة الاستهتار بالخطر، وتعلمت من أخطاء الماضي، وتستغل "الجُرعة الغريزية" لتأسيس آليات مستدامة للابتعاد عن "الخطر"، والحفاظ على "البقاء"

يُفترض أن نكون من هذه الفئة، وألا نظُن بأن تكثيف حملات "أنا سُني وأحب الشيعة... وأنا شيعي وربعي سُنة" سيكون كافيا لمواجهة الخطر وضمان البقاء في زمن "داعش" والإرهاب العابر للحدود، خصوصا وأن الأسباب "الجذرية" المحفزة على الإرهاب لا زالت موجودة ومترسخة ومتغلغلة في النفوس وفي مؤسسات الدولة العميقة.







فلا زالت مناهج وزارة التعليم التابعة للدولة، ووسائل الإعلام التابعة للدولة، ودُور العبادة التابعة للدولة، ووزارة الأوقاف التابعة للدولة، والأنشطة الثقافية التابعة للدولة، والقوانين التشريعية التي تطبقها أجهزة الدولة، تفرض علينا نسخة واحدة من المعتقدات الدينية المتشددة، وتُغذي عقولنا بالمعتقدات الاصطفائية التجهيلية للنفس، والتحقيرية للآخر.

نعم، نحن نعيش اليوم في عصر حرية التعبير والفضائيات والإنترنت، ومصادر تناقل المعلومات مفتوحة، لكن انجذاب الشباب إلى شخصية تويترية متطرفة، أو حضورهم لدروس رجل دين متشدد في أحد السراديب شيء، ورعاية الدولة بكافة مؤسساتها الرسمية والأهلية لخطاب الكراهية شيء آخر.






فأنا كـ أب، قادر على مراقبة أبنائي ومنعهم من مصاحبة فلان وعدم الذهاب إلى المنتدى الفلاني، لكن ليس بمقدوري منعهم من الذهاب إلى المدرسة وحل الامتحانات والخضوع لمناهج وزارة التعليم المتطرفة !!

فـ الشباب الذين تُجندهم "داعش" لم يأتوا من المريخ أو القمر، فـ هم شبابنا، درسوا في مدارسنا، وصلُّوا في مساجدنا، وتتلمذوا على فتاوى فقهاؤنا، وشاهدوا برامج تلفزيوناتنا، وأنصتوا إلى إذاعاتنا، نحن من صنعهم، وهيّأهم، وجهّزهم، وشجّعهم، وأغراهم، ودفعهم، وبرَّر لهم، وسهّل لهم، وسلَّمهم على طبق من ذهب، إلى "داعش" وغير "داعش" لاستغلالهم والاستفادة من حماقتهم.

فـ "داعش" هنا.. ليست سوى المُتَنَزِه الذي يقطف "الثمرة"، بعد أن قامت الدولة بزراعة البذرة.. وسقاية الشجرة.. ورعاية الزهرة، ولن تتوقف "داعش" (وغيرها) عن حصاد المتطرفين من شبابنا ما لم تتوقف حكوماتنا عن زراعة التطرف في عقول هؤلاء الشباب.

فهل ستستفيد حكوماتنا من الدرس !؟

وهل سنتصرف كـ كائنات "ذكية" تفرض عليها غريزة "البقاء" قطع جذور شجرة التطرف بدلا من الاكتفاء بتقليم أوراقها !؟

أم أننا سنستمر بالمكابرة، وتغليب المجاملات، والاستغباء على أنفسنا، حتى يتحول شبابنا إلى مجرمون، ومساجدنا إلى رُكام، وفضائياتنا إلى ساحات للحروب، ومدارسنا إلى مصانع للعفن الفكري !؟

هذا ما سيحدد مدى جديتنا في علاج المشكلة.. ومدى استحقاقنا للعيش بسلام !!



[1] النوع هنا تعني نوع الكائن الحي أو الفصيلة أو السلالة سواء كانت إنسانية أو حيوانية أو بكتيرية أو نباتية... إلخ.
[2] مع الحفاظ على المكانة والمقامات والألقاب، فحضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح حيَّر العالم أجمع بما قام به من تصرف بطولي لا يقوم به أشجع الشجعان في ميدان المعركة، ولولا وجوده في ذلك المكان، وفي ذلك التوقيت، وفي تلك الهيئة، لسارت الأمور في اتجاه آخر.   
[3] قد تكون هذه المقالة الوحيدة التي أكتبها وأتعمد فيها عدم وضع صور "تدليلية" على ما أكتبه، وذلك رغبة مني في إعطاء الجميع فرصة لمراجعة النفس وحرصا مني على عدم خلق مناخ لنقاشات مشحونة قد تساهم في تشويه الصورة اليوتوبية الجميلة التي نتلذذ بها الآن.
[4] مصطلح الدولة الفاشلة هو مصطلح سياسي يعني الدولة التي لا تسيطر على كامل أراضيها، وهو الوضع الحاصل في اليمن والعراق وسوريا وليبيا وربما لبنان أيضا.

2 comments:

isalmanmd said...

عظم الله اجرنا -كلنا نحن الكويتيين- في عذا المصاب الجلل.. امابعد،،،

الدولة لم تزرع الارهاب او تقويه... ولم تكن في يوم وطوال تاريخها مصدر للغلو بالدين أو محبذه للراديكالية. ولكن ايضا «لكل قاعدة شواذ» .

فما نسبه الذين شاركوا مع داعش -أو أي أجهزة عسكرية متطرفة- إلى نسبه الذين لم يشاركوا؟

مع الأخذ بالحسبان: أنّ جميعهم درسوا نفس التعليم ومن نفس المناهج..

وجميعنا قرأ عن اوربيين شاركوا مع داعش،،، فهل مناهجهم تكفيرية؟ وهل استبداد الدول الاوبية جعلهم ينفسون عن غضبهم في جماعات التطرف والارهاب!!

moayad said...

سياسات الدولة قد تكون ساهمت بصنع الوحش الذي كبر وبدأ بنهشها، ولكن لا أعتقد بأن اللوم يلقى على هذه السياسات التي ذكرتها في هذا المقال لوحدها. أعلم أنك حاولت تبسيط المعلومة هنا من أجل توضيح مسألة غريزة البقاء التي طرحتها، ولكن نتاجات سوء تدبير مؤسسات الدولة التي تحدثت عنها - منطقيا - كان من المفروض أنها استثارت الفئة (أو الفئات) المغيبة، لكن ما حصل هو العكس.

غلطة مؤسسات الدولة ليس فقط محاباتها لنهج رسمي أوحد، لكن غلطتها الأكبر هي أنها لم تهيء القاعدة الثقافية الأشمل والأوسع المتعلقة بمبادئ الحرية واستقلالية الفرد وتقبل الرأي الآخر واحترام القانون بناء على ذلك، الأمر الذي من المفروض أن يهيء الناس ليتعاملوا مع بعضهم البعض "كبشر"... وليس كأفراد تابعين لجماعات. غريزة البقاء التي تحدثت عنها لا تظهر عند اشتداد الخطر المحدق بالدولة ككل كما رأينا مؤخرا وحسب، بل إنها تظهر بشكل أكثر فئوية بين صفوف الطائفة عندما يحدق الخطر بإحدى جماعات المجتمع كذلك، فالطائفي يرجع لطائفته، والقبلي يرجع لقبيلته، والحزبي يرجع لحزبه، كما شعروا بوجود خلل اجتماعي أو قانوني يهدد مصالحهم، والدولة هي من شجعت على ذلك للأسف الشديد... بالإضافة لتأثير الإرث الثقافي والتاريخي طبعا.

من الممكن أن نقول بأن السلطة، بشكل ما، مستفيدة من ذلك. فاللعب المتعمد والمدروس على نغمة الفئوية التي تحدثنا عنها من الممكن أن يخدم مصالحها... أو حتى بقاءها... في بعض الأحيان. لكن انفراط العقد وانهيار البنيان الاجتماعي بشكل تام ليس من صالح أحد بكل تأكيد. قراءتنا للتاريخ تتيح لنا التعرف على نماذج عديدة تتشابه مع نموذجنا الكويتي، وكثير من هذه النماذج عبارة عن قدوة سيئة! لذلك نتمنى أن لا نقع ضحية ألاعيب الساسة وأن نكون أكثر وعيا لما يجري من حولنا. كفانا خدرا!