Monday, April 18, 2016

إضراب النفط.. بين العدالة بالمساواة، والمساواة بالعدالة!!



ملاحظة أولى: لست ممن يتلذذ في الكتابة ضد حصول الآخرين على ’’لقمة العيش‘‘، حتى وإن كنت لا أرى بأنهم يستحقونها، فأنا أتمنى للجميع الاكتفاء والرضا المادي سواء قاموا بمجهود يستحق ذلك أو لا.
ملاحظة ثانية: ليس لي خبرة ’’فعلية‘‘ في طبيعة القطاع النفطي وقد تفوتني بعض التفاصيل هنا وهناك، لكن ما سأكتبه رأي فلسفي حول الموضوع.
ملاحظة ثالثة: موضوع التوظيف والرواتب بالكويت يستحق دراسات أعمق لتفكيكه وشرحه ويمكنني الحديث عنه من مختلف الجوانب التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والعملية، إلا أنني في هذا المقال سأحاول الاختصار قدر الإمكان وعدم الانزلاق نحو الإسهاب في تفاصيل التفاصيل.


 الكويت... مَشيَخة يعتمد ناتجها القومي (GDP) بشكل أساسي على تصدير النفط، وهي دولة ’’ريعية‘‘ توفر لمواطنيها جميع الأساسيات الحياتية (الطبابة والتعليم والسكن والعمل) دون فرض أي رسوم أو ضريبة تحاول من خلالها التعويض بشكل أو بآخر عما يتم صرفه، وقد أعطى التقادم الزمني لهذه التوليفة الريعية صفة ’’الاستحقاق‘‘، فأصبح الناس لا يقبلون بما هو أدنى منها، ويعتقدون بأن أي مساس بهذه المعادلة (غير العادلة) انتقاصا مباشرا لحقوقهم الأساسية.

وبما أن للكويت الريادة في تطبيق هذا النظام على مستوى دول الخليج العربية، وبما أن التجربة الكويتية كانت النموذج الذي تقتدي به هذه المشيَخات، قررت الأنظمة السياسية في هذه الدول استعارة هذا النظام الريعي من الكويت وتطبيقه في بلدانها، فأصبحت منطقة الخليج ودول الخليج العربية تُعرف بما يسمى بـ’’دولة الرفاه‘‘، أي أنها الدولة التي تُدلل مواطنيها وتضمن لهم حياة كريمة دون إرغامهم على القيام بالحد الأدنى للعمل والإنتاج.

وبالرغم مما سبق، فإن الأنظمة الخليجية فضلت عدم الاقتداء بالكويت من حيث تنظيم سُلطة اتخاذ القرار، فـ فضلت الإبقاء على آلية ’’الرجل الواحد‘‘، أو ما نسميه بالـ One Man Show، أي أن سلطة اتخاذ القرار النهائي تصدر من شخص واحد، وهو الأمير أو الملك أو السلطان في العادة، فـ أوامر القائد تُنفَّذ دون جدل أو نقاش، سواء كان قراره الدخول في حرب، أو فرض رسوم، أو احتكار بعض الخدمات، أو الاستيلاء على أراضي الدولة، وهذا ما حاول النظام ’’شبه‘‘ الديمقراطي في الكويت بالحد منه.

وبعيدا عن مشيخات الخليج ورفاهيتها، دعوني أصحبكم في جولة سريعة حول الأنظمة السيو - اقتصادية الحقيقية، ففي الحالات الطبيعية، لا تتمتع الدول بثروات طبيعية قادرة على تأمين كل بنود ميزانيتها، ولذلك لا تتوسع هذه الدول في توظيف مواطنيها، ولا تحتكر تقديم الخدمات الأساسية لهم، بل أنها تقوم في أغلب الأحيان بفرض ضرائب باهضة على كل من يعيش على أراضيها.

فبعد الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم إلى مدرستين رئيسيتين في الاقتصاد والسياسة، هما المدرسة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي، والمدرسة الرأس مالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية المُصنِّعة، ويمكنني القول بأن الفرق بينهما هو الآتي:

-        المدرسة الاشتراكية: ترى بنظرية ’’العدالة بالمساواة‘‘، أي أن تحقيق العدالة، يتطلب أن يتمتع الجميع بامتيازات متساوية، وبذلك نساهم في الحد من انقسام المجتمع إلى طبقات اقتصادية، وبالتالي تنعدم حاجة المجتمع للدخول في صراعات طبقية، وقد تطرف أصحاب هذه المدرسة بتطبيق النظام ’’الشيوعي‘‘، وهو مرحلة متقدمة من الاشتراكية، تتقلص فيها الملكيات الفردية، ويصبح فيها كل المجتمع يملك كل شيء.

-        المدرسة الرأس مالية: ترى بنظرية ’’المساواة بالعدالة‘‘، أي أن تحقيق المساواة، يتطلب أن يحصل كل فرد على المردود العادل مقابل ما يبذله من جهد، وبالتالي من يبذل جهد أكبر، سيحصل على مردود أكبر، وهذا ما سيؤدي إلى انقسام المجتمع إلى طبقات حسب الجهد والمردود.
وبالتالي يُدفع كل فرد بالمجتمع للقيام بمجهود أكبر، وإنتاج أكبر، للحصول على مردود مادي ومعنوي أكبر، وقد تسببت هذه الحالة الدافعة للتفوق والامتياز إلى الدخول في مرحلة متقدمة من الرأس مالية أُطلق عليها اسم ’’العولمة‘‘.

أما ’’العولمة‘‘، فهي ممارسة اقتصادية تسعى لتحقيق الهدف دون التقيد بقيود الحدود السياسية للدولة، ولتبسيط الأمور يمكن القول بأننا جميعا نمارس ’’العولمة‘‘ بشكل أو بآخر في حياتنا اليومية، فنحن نستعين بكم هائل من العاملين من خارج الحدود بسبب تدني الراوتب التي يقبلون بها، سواء كانت عاملة منزلية أو مندوب معاملات أو معلم شاورما!!

ونجد أن فائدة العولمة ترضي الطرفين، فالطرف المحلي يدفع أقل مقابل الحصول على نفس الخدمة، والطرف الأجنبي يحصل على مردود أكبر مما كان يحصل عليه في بلده الأم، وبالتالي، تتحقق أهداف الطرفين.


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما علاقة العولمة والرأس مالية والاشتراكية والدولة الريعية بموضوع إضراب العاملين بالقطاع النفطي الكويتي اليوم!؟


العلاقة تعود إلى العام 2011، فمع اشتعال موجات ’’الربيع العربي‘‘ إقليميا، أصيبت حكومات المنطقة بالهلع، وبدأت تغدق على شعوبها بالعطايا والمنح من كل صوب وناحية، وبذلك ارتفعت رواتب وامتيازات مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام، وموظفو القطاع النفطي في قطر والإمارات بشكل خاص، وهنا بدأت المشكلة!!

فلأننا نعيش في عصر ’’العولمة‘‘، انتشرت أقاصيص حول انتقال بعض العاملين في القطاع النفطي الكويتي إلى الشركات النفطية القطرية والإماراتية، حيث أن الرواتب هناك ضعف الراتب هنا، وبما أن سعر برميل النفط كان يتجاوز الـ 100 دولار، وبما أن الحكومة كانت في أضعف حالاتها بسبب فضائح ’’الإيداعات‘‘ و’’التحويلات‘‘ و’’الميموني‘‘، بدأ موظفو القطاع النفطي الكويتي بالمطالبة بزيادة رواتبهم أسوة بموظفو الشركات القطرية والإماراتية!!


وبسبب التهديدات المستمرة بالإضراب، والدعم اللا محدود من المعارضة السياسية، خاصة وأنها صرّحت مرارا وتكرارا بأن هدفها الوحيد هو إسقاط الشيخ ناصر المحمد، اضطرت الحكومة للموافقة على زيادات رواتب القطاع النفطي على مضض، ووصلت هذه الزيادات إلى 66% بالمئة لبعض الشرائح الوظيفية، أي أن من كان يتقاضى راتباً قدره 1200 دينار، أصبح بين ليلة وضحاها يتقاضى 2000 دينار!!


وبطبيعة الحال، فتحت هذه الزيادة شهية بقية القطاعات الأخرى للحصول على زيادات مماثلة، أو التهديد بالإضراب كما فعل النفطيون، فرضخت الحكومة مرة أخرى لهذه المطالب، علما بأن هذه الزيادات في الرواتب أو ’’المردود‘‘ لم يقابلها أي زيادة في الجهد والعمل، ولم ترتبط بأي شكل من الأشكال بالأداء الوظيفي للعامل.


ومن سخريات الحياة السياسية في الكويت، أن أعضاء مجلس الأمة أجهضوا المحاولة الوحيدة لربط زيادة الرواتب بالأداء الوظيفي للعامل، وهي التي كان يقودها وزير التربية آن ذاك أحمد المليفي من خلال اقتراح ’’البونص‘‘ السنوي بدلا من زيادة عامة للجميع بلا تقييم ولا أداء!!


هكذا ارتفعت رواتب أغلب الموظفين الكويتيين دون ارتفاع الأداء الوظيفي أو الإنتاج بالعمل، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو ارتفاع سعر برميل النفط والتوقعات بوصوله إلى 150$، أما السبب الثاني فهو محاكاة الرواتب في الشركات القطرية والإماراتية!! وبالعودة إلى السببين علينا توضيح الآتي:

-        أسعار النفط:

رغم التحذيرات المستمرة من اضطراب أسعار النفط وعدم ضمان استمرارية ارتفاعه للأبد، إلا أن أشد المتشائمين تشاؤماً لم يكن يتوقع أن يصل سعر البرميل إلى 30 و20 دولار!! بل أن أسوأ التوقعات كانت تتوقع إمكانية وصول سعر البرميل إلى 75 دولارا!!

والسؤال هنا لموظفي القطاع النفطي المضربين عن العمل، إن كنتم ربطتم مطالبكم بالزيادات بسبب ارتفاع أسعار برميل النفط، أليس من المنطقي أن تتقبلوا التنازل عن الامتيازات الإضافية عند هبوط الأسعار!؟
فكل الشركات الخاصة تربط امتيازاتها الوظيفية بمعدل أرباح الشركة، وإن كنتم تعتبرون الشركات النفطية قطاع خاص، فعليكم القبول بتخفيض هذه الامتيازات بسبب هبوط أرباح الشركة.
أما إن كنتم تعتبرون أنفسكم تابعين للقطاع الحكومي الذي لا يتأثر موظفوه بالربح والخسارة، وتصل درجة الأمان الوظيفي فيه إلى استحالة الفصل عن العمل، وعدم ربط المردود المادي بتحقيق الأهداف، فلماذا تعتقدون بأنكم تستحقون رواتب أعلى بـ %40 إلى %60 من بقية موظفي القطاعات الحكومية!؟

-        رواتب شركات النفط القطرية والإماراتية:    
يتفذلك الكويتيون دائماً بالمقارنة ما بين الكويت والإمارات أو قطر، وللأسف تتسم هذه المقارنات دائما بالطابع المادي بأسخف درجاته، بل أن كمية التناقضات فيها تزكم الأنوف من عفونتها النتنة، فـ نفس الشخص الذي يمتدح دور قطر الإقليمي ينتقد مؤتمرات الكويت عندما تحاول أن تلعب دورا إقليمياً!!
ونفس الشخص الذي يمتدح مولات دبي يقيم الدنيا ولا يقعدها لو أنه سمع بأن الحكومة تنوي إعطاء أرضا لأحد التجار لتطويرها!!
ولأن السخافة سِمة أساسية في هذا الشعب، وجدنا بأن العاملون في القطاع النفطي يقارنون رواتبهم برواتب نظراؤهم في الشركات النفطية القطرية والإماراتية، دون المقارنة أيضا بأسعار السلع ومستوى المعيشة والإيجارات في هذه الدول!!
أو دون القبول بأن تتم مقارنة رواتبهم برواتب نظراؤهم في السعودية والبحرين وعمان أيضاً!!
أين الجهد أو الذكاء في مقارنة الرواتب عبر الحدود!؟ فكلنا يعلم بأن لكل دولة معدلاتها الخاصة في الغلاء والتضخم، وهي لا ترتبط (إجمالا)[1] بمستوى الغلاء والتضخم في الدول الأخرى، خاصة عندما ترتبط الحالة الاقتصادية بهذه الدول بقرارات ارتجالية من حكامها!!
فليس ذنب الكويت أن حاكم قطر أو الإمارات أو السعودية قرر فجأة أن يكرم شعبه بمنحة أو زيادة راتب أو أي من ذلك!!
فإذا كانت هذه المقارنات صحيحة، علينا أن نرفع أسعار البنزين ونضع رسوم على استخدام الطرق السريعة كما تفعل هذه الدول!!

لذلك، وبالعودة إلى الموضوع الأساسي، أجد أنني ملزم بالوقوف ضد هذا الإضراب، خاصة وأن أغلب مطالبات العاملين عليه تتسم بالرفاهية أو الـ Luxury وليس الحاجات الضرورية أو الـ Needs، فأين الضرر الحقيقي الذي سيصاب به الموظف في حال عدم حصوله على تذاكر سفر سنوية!؟ وأين الضرر الذي يقع عليه في حال عدم الذهاب إلى الدورات التدريبية الخارجية!؟ أو ركوبه الدرجة السياحية بدلاً من درجة رجال الأعمال!؟

وأين المشكلة في تخفيض ’’الزيادة‘‘ السنوية للراتب!؟ فهناك الكثير من موظفي الدولة الذين لا يحصلون على زيادة راتب سنوية من الأساس!! خاصة وأن أرباح الشركات النفطية انخفضت بسبب انخفاض أسعار برميل النفط!!

كل هذه المطالب، بالإضافة إلى الامتيازات الأخرى، لا تعدو كونها ’’إضافات‘‘ أو Extras وهي لا تهدد بشكل من الأشكال الحاجات الضرورية للموظف أو العامل، أما بالنسبة لمن يردد البروباجاندا السخيفة بأن خطوات الحكومة ستمهد للخصخصة، فهذا أسخف وأكذَب من أن يستحق الرد عليه.


بطبيعة الحال، أنا لا أدافع هنا عن الحكومة، او اسلوبها في التعامل مع الأزمة، فهي مساهم رئيسي في وجودها وتفاقمها منذ اليوم الأول، لكن الوقوف ضد الحكومة ومعارضتها شيء، وتعريض الكويت ومركزها الاقتصادي للخطر شيء آخر، خاصة عند العلم بأننا في نهاية الأمر مجرد مشيخة ’’ريعية‘‘، وأن رأس مالنا هالبرميل إللي ساتر علينا جدام الله وخلقه!!



[1] ترتبط معدلات غلاء المعيشة والتضخم بين الدول بطرق مباشرة أو غير مباشرة أحيانا، وربما رأينا تأثيرها بوضوح في دول اتفاقية اليورو حيث تسببت معدلات التضخم وغلاء المعيشة في دول بانتقال هذه المعدلات إلى الدول الأخرى، مما نتج عنه أزمات اقتصادية ضخمة كادت أن تتسبب بتفكيك هذه الاتفاقية وخروج اليونان منها.


4 comments:

Abdullah said...

يعطيك العافية على الموضوع .. في نقاط غابت عنك و نقاط اخطأت فيها .. اولا معاش المهندس الكويتي مساوي لمعاش المهندس السعودي في شركة ارامكو السعودية على درجة تعيين 12 بالكويت و الي تعادل21 في ارامكو ... و حط بالاعتبار المعيشة بالكويت اغلى من السعودية نفس ما قارنت الغلاء قطر بالكويت و فرضت انه هذا السبب يخلي راتبهم اكثر منه .. ثانيا موظف القطاع النفطي بالكويت دوامه اكثر من دوام موظف الحكومة ب40ساعة شهريا !! يعني تداوم 6 ايام اكثر من موظف الحكومة عل الاقل ! هل من المنطقي نتسوى بالرواتب؟؟


ملاحظة:المقارنة على مستوى المهندسين و لو ذكرت مشغلين المصفاة و فروقاتهم و ساعات عملهم ما راح أوفيهم حقهم ..

Aisha said...

This is very well written masha'allah
I enjoyed reading this article, it examines all aspects and digs deep into underlying factors. Being an ex-oil sector employee I still have a soft spot for those who work in the sector and I can't not sympathize with what they deem an acquired right. It's very difficult to take away what you've already signed for . As you suggested, both parties share the blame. It's sad that we can't resolve this matter without it being painful.
I like your quoting headlines .. Keep up the effort

Bashar said...

مقال جميل كما عودتنا دائما، أزيد على مقالك بأنني لا أختلف بمطالبة أي كان بحقوقه إن وجدت و لكن هنالك طرق أخرى أفضل للإضراب لا تضر مصالح جميع المواطنين أو تهز الثقة الدولة لمشتري النفط الكويتي.

Abeer Alomar said...

شكرا عجبني طرح مختلف عن ما قرأناه مؤخرا ولا يعني هذا أنني أعترض أو أوافق على موقفك . لكن أعتقد أن هناك دروس ممكن الإستفادة منها في كل أزمة على سبيل المثال:
1. ما مصير دراسات الموارد البشرية ومنها الرواتب التي تتبناها الشركات الإستشارية والهدف منها معرفة best fit practice and benchmark وأيضا المساعدة على اتخاذ القرار السليم ، حيث أن الدراسات توفر معلومات ذات أبعاد قصيرة أوطويلة المدى كما وتوضح آثاره المترتبه من الناحية الإقتصادية والإجتماعيه 2.مطلوب دراسة تحليلية لـ "إدارة الأزمات ودور التواصل الإعلامي الصادق" مع الأخذ بعين الإعتبار اللأزمات السابقة والوصول لتوصيات يستفاد منها والأخذ بها.
فهل آن الوقت لوقف الدراسات والإستعانة بوسائل آخرى لعمل خارطة طريق تحدد فيها مستقبل مؤسسات ، أفراد واجيال