Monday, October 17, 2016

إذا عُرف السبب...!!



أصدر سمو الأمير عصر الأمس مرسوما أميريا يقضي بحل مجلس الأمة حسب المادة 107 من الدستور، وبالرغم من احتواء المرسوم على السبب ’’الظاهري‘‘ لهذا الحل وهو ’’الظروف الإقليمية‘‘ إلا أن المراقب يعلم تماما ومن خلال تسلسل الأحداث على أن هناك أسباب أخرى لهذا الحل غير المبرر.

ولفهم أسباب هذا الحل علينا العودة أربعين سنة إلى الوراء، إلى العام 1976 تحديدا وأحداث حل مجلس 1975، حيث تم هذا الحل في ظروف مشابهة للحل الحالي، ففي تلك السنة، وفي الجلسة الأخيرة من دور الانعقاد التشريعي، ألقى الشيخ جابر العلي (النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الإعلام) خطابا أشاد فيه بالتعاون بين الحكومة والمجلس.

ومع دخول العطلة البرلمانية الصيفية وشهر رمضان المبارك، تفاجأ الجميع بعودة سمو الأمير الشيخ صباح السالم الصباح من لندن بعد ثلاثة أيام من سفره إليها للعلاج، وأصدر سموه فور عودته مرسوما بحل مجلس الأمة وتعطيل العمل بالدستور وتشكيل لجنة لتنقيح الدستور، بالإضافة إلى إطلاق يد الحكومة في إيقاف صدور الصحف المحلية دون إبداء الأسباب، وقد أُوقفت مجلات ’’الطليعة‘‘ و’’الهدف‘‘ و’’الرائد‘‘ و’’الرسالة‘‘ لمدة ثلاثة أشهر، وأُغلقت جريدة ’’الوطن‘‘ لمدة شهر.

وكان الناس يتساءلون عن سبب هذا الحل المفاجئ خلال العطلة الصيفية!؟ خاصة وأن الوضع السياسي العام كان ’’سهود ومهود‘‘!؟

وتكهن الناس - كما يحصل الآن - بأسباب الحل، وطرحت الكثير من الأسباب، إلا أن السبب الحقيقي والأعمق للحل ظهر لاحقا، وهو أن أقطاب أسرة الحكم من الفريق الذي كان يقوده ولي العهد ورئيس الوزراء – آنذاك – الشيخ جابر الأحمد توقعوا تدهور الحالة الصحية لسمو الأمير الشيخ صباح السالم، وذلك في الوقت الذي لم تكن تشكيلة مجلس الأمة تتناسب مع ’’درجة المرونة‘‘ التي يحتاجونها لإجراء ترتيبات ’’بيت الحكم‘‘ بهدوء ودون منغصات، خاصة مع النفوذ المتصاعد للشيخ جابر العلي الذي كان يسيطر على عدد كبير من أعضاء المجلس، وهذا ما جعلهم يدفعون بحل المجلس حتى لا يعكر نوابه صفو عملية انتقال السلطة وترتيب بيت الحكم.

وبالفعل، تدهورت الحالة الصحية لسمو الأمير الشيخ صباح السالم، وتوفي بعد سنة وثلاثة أشهر من حل المجلس، وأحكم الفريق الذي كان يقوده الشيخ جابر الأحمد قبضته على زمام الأمور، فقد اتفق مع أخيه الشيخ صباح الأحمد (الأمير الحالي) على عملية ترتيب بيت الحكم وتوازنات القوى داخل الأسرة الحاكمة للمرحلة القادمة، وذلك بتصعيد وزير الداخلية الشيخ سعد العبدالله إلى منصب ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وإبقاء الشيخ جابر العلي في وزارة الإعلام ونيابة رئيس الوزراء، مع إبقائه تحت المراقبة اللصيقة للنائب الثاني لرئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد، وبذلك انتهت الحقبة الذهبية للشيخ جابر العلي إلى الأبد.



وبالعودة إلى العام 2016، نجد أن مجلس الأمة الأخير تم انتخابه في ’’عز‘‘ حرارة الصيف والناس صيام في شهر رمضان المبارك الموافق للسابع والعشرين من يوليو عام 2013، وقد تجاوزت نسبة التصويت الـ 51%، ويُعتبر هذا المجلس ورئيسه من أكثر المجالس ’’تعاوناً‘‘ مع الحكومة ورئيس مجلس الوزراء، حيث أدى هذا التعاون إلى إنجاز الكثير من القوانين وإصلاح الآخر منها وأنا شخصيا كنت شاهدا على ذلك[1].

وبالرغم من هذا التعاون والرعاية ’’الأبوية‘‘ من سمو الأمير لهذا المجلس الذي جاء بتدخل مباشر منه بتعديل قانون الانتخاب، إلا أن رئيس المجلس ظهر بالأمس على قناة ’’الراي‘‘ وبرر تأييده لحل المجلس الذي يرأسه بالآتي:

’’أي قارئ للدستور يعرف بأن هذه هي المدة المحددة... هذه المدة أنا أعتقد أنها غير مناسبة... بعد رمضان وخلال الصيف... غير مناسبة... لكن لأن ظروف بداية المجلس ما كانت محكومة... هذي المُدة الدستورية... شهر سبعة المشاركة أعتقد بتكون ضعيفة‘‘.

’’أنا أقول لك المرحلة القادمة... مرحلة دقيقة... مرحلة استثنائية... مرحلة فيها تحديات أمنية إقليمية... مرحلة فيها تحديات اقتصادية... فيها تحديات داخلية... فيها تحديات خارجية... هذه المرحلة لن نستطيع إنَّ نعديها ما لم يكن هناك فريق حكومي ’’جديد‘‘ يواكب هذه المرحلة... وأنا أعتقد حتى الأخ الفاضل سمو رئيس مجلس الوزراء مقتنع في وجهة النظر هذي‘‘.

’’أنا وجهة نظري... العودة إلى صناديق الاقتراع... ليش الجزع من العودة إلى صناديق الاقتراع!!... العودة إلى صناديق الاقتراع ليجدد الشعب الكويتي الثقة في من يراه أهلا لمواصلة المشوار في هذه المرحلة الدقيقة القادمة‘‘.



ومن هنا علينا التوقف قليلا لقراءة هذا المشهد...

رئيس مجلس الأمة يؤيد حل المجلس الذي يرأسه والذي يدافع عن إنجازاته بحجة أن الموعد الدستوري للانتخابات القادمة لن يكون مناسبا لأنه في شهر يوليو (صيف وحر) والمشاركة في الانتخابات ستكون ضعيفة!!

وهذا يتناقض مع المنطق ’’السليم‘‘، حيث أنه حصل على عضويته ورئاسته للمجلس من خلال انتخابات تمت في ظروف أصعب حيث جرت الانتخابات في شهر يوليو بالإضافة إلى مصادفتها لشهر رمضان المبارك، وبذلك تكون هذه الحجة ’’ساقطة‘‘.

أما الحجة الثانية التي ساقها رئيس المجلس فهي صعوبة تحديات المرحلة القادمة داخليا وخارجيا والحاجة إلى فريق حكومي قادر على مواجهة هذه التحديات، والطريف هنا أن الحكومة أيضا ساقت نفس السبب في كتابها لسمو الأمير حيث ذكرت الظروف الإقليمية والتحديات..

والسؤال هنا، إذا كنا بحاجة إلى فريق حكومي ’’جديد‘‘، فلماذا لا تستقيل الحكومة وتُشكل حكومة جديدة دون المساس بمجلس الأمة!!؟

إذا المسألة هنا ليست الحاجة إلى فريق حكومي جديد فقط، بل الحاجة إلى فريق نيابي جديد أيضا، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي مواصفات هذا الفريق النيابي الجديد الذي سيكون أفضل من الفريق النيابي الحالي في مواجهة تحديات المرحلة القادمة!؟ خاصة وأن رئيس المجلس لا يضمن – من الناحية النظرية على الأقل – أن يعود رئيسا للمجلس، فلماذا يضحي بفصل تشريعي كامل يكون فيه رئيسا للمجلس مقابل المغامرة بخوض انتخابات لا يضمن نتائجها سواء بتشكيلة النواب أو بوصوله إلى كرسي الرئاسة!!؟


للإجابة على هذه الأسئلة علينا تحديد أطراف القضية وأهداف كل طرف منهم كالآتي:

1-    سمو الأمير وأسرة الصباح:
الهدف: استقرار البلد والسيطرة على زمام الأمور في حال لا سمح الله توفي صاحب السمو ودخلت الكويت في مرحلة ’’أزمة حكم‘‘ جديدة على غرار أزمة 2006 وبالتالي الحاجة إلى إعادة ترتيب بيت الحكم وموازين القوى داخل الأسرة.
الحاجة: حكومة قوية ومستقرة ووجود مجلس أمة برئاسة شخص بلا أجندات شخصية (مخالفة) ويوافق على ما توافق عليه الأسرة، أو بعدم وجود مجلس أمة وبالتالي عدم الخضوع لحسابات الأعضاء وأجنداتهم الشخصية.

2-    رئيس مجلس الوزراء والحكومة:
الهدف: العمل بهدوء ودون عراقيل واستجوابات تهدد استقرارهم أو تهز كراسيهم.
الحاجة: مجلس الأمة برئاسة شخص ’’منسجم‘‘ مع رئيس الحكومة ويشاركه في الرؤية، وأعضاء غير قادرين منفردين أو مجتمعين على عرقلة أعمال الحكومة وتهديد رئيسها.

3-    رئيس مجلس الأمة وأعضائه:
الهدف: استمرار عضويتهم في مجلس الأمة وزيادة فرص نجاحهم في انتخابات المجلس القادم.
الحاجة: عدم استفزاز سمو الأمير من خلال تعطيل أعمال الحكومة وعرقلتها من جهة، وصنع بطولات شعبية سواء عن طريق إنجاز القوانين والمعاملات أو استجواب الوزراء لضمان إعادة انتخابهم في المجلس القادم


 ونجد هنا بأن الحل الذي ارتضاه الأطراف الثلاثة لتحقيق ’’أهدافهم‘‘ هو حل المجلس الحالي (المسالم نسبيا) والمغامرة بإجراء انتخابات جديدة غير مضمونة النتائج (نسبيا أيضا)، وذلك في فترة قصيرة لا تزيد عن 8 أشهر فقط!!

أي أن الاختلاف هنا بين حل 2016 وحل 1976 هو أن حل 1976 الذي تم فيه تعطيل العمل بمواد الدستور ضمن عدم عودة المجلس وبالتالي تفرغ الأسرة الحاكمة لترتيب بيتها دون تدخلات غير محسوبة النتائج من أعضاء مجلس الأمة.

أما حل 2016 فهو لا يضمن هذا الهدف حيث سيعود مجلس الأمة خلال 30 يوما من الآن، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن المكاسب التي سيحققها الأطراف الثلاثة أعلاه من ’’تبكير‘‘ انتخابات المجلس القادم 8 أشهر (من شهر 7-2017 إلى شهر 11-2016) أولا.

والمكاسب التي سيحققها نفس الأطراف من التضحية بمجلس ينسجم أعضائه ورئيسه مع سمو الأمير ورئيس الحكومة والمغامرة بالدخول في انتخابات غير مضمونة النتائج (من الناحية النظرية على الأقل) ثانيا، خاصة وأن رئيس المجلس أعلن عن تأييده لهذا الحل رغم خسارته المحققة لكرسي مضمون في مقابل كرسي غير مضمون!!



هذه المعادلة والمواقف المتناقضة مع المنطق لأصحابها تجعلنا نُجزم بأن هناك سبب خفي لهذا الحل، وهو سبب وجيه للأطراف الثلاثة أعلاه مما يجعلهم يضحون بمصالحهم ’’الظاهرية‘‘ ويناقضون أنفسهم أمام الرأي العام من أجله...

وهو بالتأكيد ليس الحر والصيف لأن هذا المجلس جاء بالحر والصيف والصيام...

وهو بالتأكيد ليس الرغبة باستبدال الوزراء بآخرين أكفاء لأن هذا يمكن أن يتحقق باستقالة الحكومة دون حل المجلس...

وهو بالتأكيد ليس الحاجة إلى أعضاء مجلس أمة جدد لأن هذه العملية تخضع للمزاج الانتخابي للناخب وهو عنصر ’’غير مضمون‘‘ في مقابل عنصر ’’مضمون‘‘ وهو التشكيلة الحالية لمجلس الأمة المنسجم مع الحكومة وسمو الأمير...


إذا نحن هنا أمام ’’لُغز‘‘ سياسي يفتح أمامنا باب التكهنات لمعرفة الأسباب الحقيقية للحل، فهل هي الظروف الإقليمية الحرجة كما جاء في لقاء رئيس مجلس الأمة وكتاب رئيس الحكومة!؟ وما هي الظروف الإقليمية الحرجة أكثر من ظروف الربيع العربي واحتلال داعش للموصل والمشاركة في عاصفة الحزم!؟

هل هناك توقعات أو معلومات عن اصطدام حقيقي بين الروس والأمريكان في سوريا!؟ هل هناك احتمال لاشتعال الحرب في الموصل بين العراق الشيعي والعراق السني وستضطر دول الخليج للمشاركة في هذه المعركة!؟

هل ستتدخل إيران في الحرب على اليمن في حال تدخلت الولايات المتحدة!؟ 

هل انتقال مصر السيسي من حليف سعودي إلى حليف روسي سيقلب موازين القوى في المنطقة ويدخلنا في مرحلة تصعيد ومواجهات قادمة!؟

كل هذه الأسئلة تحتمل الكثير من الإجابات والاحتمالات، ويبقى السؤال الذي لا إجابة مقنعة عليه وهو كيف سيساهم حل مجلس الأمة الحالي وإجراء انتخابات جديدة غير مضمونة النتائج في زيادة قدرة سمو الأمير والحكومة ورئيس المجلس في مواجهة هذه الظروف والاحتمالات!!؟


بالتأكيد هناك ’’سبب‘‘... وإذا عُرف السبب بطل العجب!!   




[1] قمت ببعض المهام التي أتاحت لي فرصة الاطلاع عن قرب على الأعمال التي يؤديها رئيس المجلس وبعض الوزراء. 

7 comments:

Unknown said...

احب كتاباتك ، و لكن هذا التحليل هو الاسوأ و الاكثر بعدا عن المنطق و محاولة اقحام الصراعات الاقليميه في احتمالية الحل امر مضحك جدا

محمد البدر said...

تحليلك مثل الماء لا طعم ولا لون ولا رائحة وبعد التعب فسرت الحل بالحل فَلَو لم تحلل لكان أفضل عامل لي فبها مثل افلام الغموض اما تفصح او لا وشكرا على جهدك

varsai king said...

وفسر الماء بعد الجهد بالماء

Nasser Al-Khaled said...

تحليل ممتاز و في الصميم - فعلا هناك غموض في الأسباب و لا حل لمشاكل الكويت السياسية الا بتنظيم العمل الحزبي و بحكومة برلمانية من الأغلبية و رئيس وزراء شعبي و حكومة ظل تحاسب الحكومة على غرار بريطانيا - اما كذا ولا ديمقرايطيتنا ناقصة و ستضل ديمقراطية ذات احتياجات خاصة غير قادرة بالنهوض بالبلد.

mashrooat said...

في سبب خفي لا يعلمه كثير من الناس وراء الحل الغير منطقي ، الكل يتسائل عن عدم اكمال المجلس الحالي دورته ، يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين الكويت ما تستاهل اللي يجري فيها ، علي العموم ننطر والله يعين علي الجاي

مشاهد ومتابع said...

لتفكك لجان التحقيق بالفساد:
االداو و المزارع و تهريب المحروقات و العلاج السياحي و تزوير الجناسي و و و.....
*******
وتريد وأد الاستجوابات العنترية في السنه الاخيرة من هذه الدوره.
فان استمرت هذه الظواهر بالفصل التشريعي القادم الدواء .... موجود
او سؤال قد يوضح سبب حل مجلس الامه الآن ؟؟؟؟

متى ينفذ مدة الحكم و يخرج .....
....
...
...
....
....
....
مسلم البراك من السجن؟
هل تقديم موعد الانتخابات
لتفويت الفرصه عليه
لمدة ٤ سنوات اخرى
وعدم تشويش الانتخابات و المجلس للانعقاد القادم؟

جواب يحتاج دراسة ؟؟
او السبب كوكتيل مما ذكر أعلاه

مشاهد ومتابع said...

السبب تفكك لجان التحقيق بالفساد:
االداو و المزارع و تهريب المحروقات و العلاج السياحي و تزوير الجناسي و و و.....
*******
وتريد وأد الاستجوابات العنترية في السنه الاخيرة من هذه الدوره.

سؤال قد يوضح سبب حل مجلس الامه الآن ؟؟؟؟

متى ينفذ مدة الحكم و يخرج .....
....
...
...
....
....
....
مسلم البراك من السجن؟
هل تقديم موعد الانتخابات
لتفويت الفرصه عليه
لمدة ٤ سنوات اخرى
وعدم تشويش الانتخابات و المجلس للانعقاد القادم؟

جواب يحتاج دراسة ؟؟